ويدل على أن غلط الرواية في أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر : " من أصاب شيئا فهو له "
وأنه نفل القاتل وغيره ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال . حدثنا هناد بن
السري عن أبي بكر عن عاصم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال : جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم
بدر بسيف فقلت : يا رسول الله إن الله قد شفى صدري اليوم من العدو فهب لي هذا
السيف ! فقال : " إن هذا السيف ليس لي ولا لك " ، فذهبت وأنا أقول يعطاه اليوم من لم
يبل بلائي ، فبينا أنا إذ جاءني الرسول فقال : أجب ! فظننت أنه نزل في شيء بكلامي ،
فجئت فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم : " إنك سألتني هذا السيف وليس هو لي ولا لك وإن الله قد جعله
لي فهو لك " ثم قرأ : ( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ) . فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم
أنه لم يكن له ولا لسعد قبل نزول سورة الأنفال ، وأخبر أنه لما جعله الله له آثره به ، وفي
ذلك دليل على فساد رواية من روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نفلهم قبل القتال وقال من أخذ شيئا فهو
له .
وقوله تعالى : ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ) . في هذه القصة ضروب
من دلائل النبوة ، أحدها : اخباره إياهم بأن إحدى الطائفتين لهم ، وهي عير قريش التي
كانت فيها أموالهم وجيشهم الذين خرجوا لحمايتها ، فكان وعده على ما وعده .
وقوله تعالى : ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) يعني أن المؤمنين كانوا
يودون الظفر لما فيها الأموال وقلة المقاتلة ، وذلك لأنهم خرجوا مستخفين غير مستعدين للحرب ، لأنهم لم يظنوا أن قريشا تخرج لقتالهم .
وقوله تعالى : ( ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ) ، وهو
إنجاز موعده لهم في قطع دابر الكافرين وقتلهم .
وقوله تعالى : ( فاستجاب لكم إني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله
إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم ) ، فوجد مخبر هذه الأخبار على ما أخبر به ، فكان من
طمأنينة قلوب المؤمنين ما أخبر به .
وقال تعالى : ( إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ) فألقى عليهم النعاس في الوقت الذي
يطير فيه النعاس بإظلال العدو عليهم بالعدة والسلاح وهم أضعافهم . ثم قال : ( ( وينزل
عليكم من السماء ماء ليطهركم به ) يعني من الجنابة ، لأن فيهم من كان احتلم وهو رجز
الشيطان لأنه من وسوسته في المنام ( وليربط على قلوبكم ) بما صار في قلوبهم من
الأمنة والثقة بموعود الله ( ويثبت به الأقدام ) يحتمل من وجهين ، أحدهما : صحة
البصيرة والأمن والثقة الموجبة لثبات الأقدام ، والثاني : أن موضعهم كان رملا دهسا
أحكام القرآن — صفحة 61
مساهمون: الجصاص
ص٦١