على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يرفع مجلس أهل العلم على غيرهم ليبين للناس فضلهم
ومنزلتهم عنده ، وكذلك يجب أن يفعل بعد النبي صلى الله عليه وسلم . وقال تعالى : ( يرفع الله الذين
آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ليليني منكم أولو
الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " فرتب أولي الأحلام والنهى في أعلى
المراتب ، إذ جعلهم في المرتبة التي تلي النبوة .
وقوله تعالى : ( إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) روى ليث عن
مجاهد قال : قال علي : " إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد
بعدي ، كان عندي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تصدقت بدرهم ، ثم
نسخت " . وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : " إن المسلمين أكثروا على
رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل حتى شقوا عليه ، فأراد الله أن يخفف عن نبيه ، فلما نزلت : ( إذا
ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) كف كثير من المسلمين عن المسألة ،
فأنزل الله : ( أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات ) الآية ، فوسع لهم " .
قال أبو بكر : قد دلت الآية على أحكام ثلاثة ، أحدها : تقديم الصدقة أمام
مناجاتهم للنبي صلى الله عليه وسلم لمن يجد ، والثاني : الرخصة في المناجاة لمن لا يجد الصدقة بقوله :
( فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم ) ، فهذا يدل على أن المسألة كانت مباحة لمن لم
يجد الصدقة ، والثالث : وجوب الصدقة أمام المسألة بقوله : ( أأشفقتم أن تقدموا بين
يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ) . حدثنا عبد الله بن محمد قال :
حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال : أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن مجاهد في
قوله : ( إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ) الآية ، قال علي رضي الله
عنه : " ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت وما كانت إلا ساعة " .
قوله تعالى : ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) .
قال أبو بكر : المحادة أن يكون كل واحد منهما في حد وحيز غير حد صاحبه وحيزه ،
فظاهره يقتضي أن يكون المراد أهل الحرب لأنهم في حد غير حدنا ، فهو يدل على كراهة
مناكحة أهل الحرب وإن كانوا من أهل الكتاب ، لأن المناكحة توجب المودة ، قال الله
تعالى : ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة
ورحمة ) [ الروم : 21 ] . آخر سورة المجادلة .
أحكام القرآن — صفحة 572
مساهمون: الجصاص
ص٥٧٢