قال صلى الله عليه وسلم : " هل قرأ معي أحد منكم " ، دل ذلك على أن القارئ خلفه أخفى قراءته ولم
يجهر بها ، لأنه لو كان جهر بها لما قال : " هل قرأ معي أحد منكم " ثم قال : " إني أقول
مالي أنازع القرآن " ، وفي ذلك دليل على استواء حكم الصلاة التي يجهر فيها والتي
تخافت لإخباره أن قراءة المأموم هي الموجبة لمنازعة القرآن . وأما قوله : " فانتهى الناس
عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله " فلا حجة فيه لمن أجاز القراءة خلف الإمام فيما يسر
فيه ، من قبل أن ذلك قول الراوي وتأويل منه ، وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين حال
الجهر والإخفاء .
ومنها حديث يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله
قال : كنا نقرأ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " خلطتم علي القرآن " . وهذا أيضا يدل على
التسوية بين حال الجهر والإخفاء إذ لم يذكر فرقا بينهما . وروى الزهري عن
عبد الرحمن بن هرمز عن ابن بحينة - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" هل قرأ معي أحد آنفا في الصلاة ؟ " قالوا : نعم ، قال : " فإني أقول مالي أنازع القرآن " ،
قال : فانتهى الناس عن القراءة معه منذ قال ذلك ، فأخبر في هذا الحديث عن تركهم
القراءة خلفه ولم يفرق بين الجهر والإخفاء ، فهذه الأخبار كلها توجب النهي عن القراءة
خلف الإمام فيما يجهر فيه أو يسر . ومما يدل على ذلك ما روي عن جلة الصحابة من
النهي عن القراءة خلف الإمام وإظهار النكير على فاعله ، ولو كان ذلك شائعا لما خفي
أمره على الصحابة لعموم الحاجة إليه ، ولكان من الشارع توقيف للجماعة عليه ولعرفوه
ثم كما عرفوا القراءة في الصلاة ، إذ كانت الحاجة إلى معرفة القراءة خلف الإمام كهي إلى
القراءة في الصلاة للمنفرد والإمام ، فلما روي عن جلة الصحابة إنكار القراءة خلف الإمام
ثبت أنها غير جائزة .
فممن نهى عن القراءة خلف الإمام علي وابن مسعود وسعد وجابر وابن عباس وأبو
الدرداء وأبو سعيد وابن عمر وزيد بن ثابت وأنس . روى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن
علي قال : " من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة " . وروى أبو إسحاق عن علقمة عن
عبد الله عن زيد بن ثابت قال : " من قرأ خلف الإمام ملئ فوه ترابا " . وروى وكيع عن
عمر بن محمد عن موسى بن سعد عن زيد بن ثابت قال : " من قرأ خلف الإمام فلا صلاة
له " . وقال أبو حمزة : قلت لابن عباس : أقرأ خلف الإمام ؟ قال : لا . وقال أبو سعيد :
" يكفيك قراءة الإمام " . قال أنس : " القراءة خلف الإمام التسبيح " يعني والله أعلم "
التسبيح في الركوع وذكر الاستفتاح . وقال منصور عن إبراهيم : " ما سمعنا بالقراءة خلف
الإمام حتى كان المختار الكذاب فاتهموه فقرؤوا خلفه " . وقال سعد : " وددت أن الذي
يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة " .
أحكام القرآن — صفحة 55
مساهمون: الجصاص
ص٥٥