قوله تعالى : ( ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ) ، يعني والله أعلم : في
إيواء من أرجى منهن ، أباح له بذلك أن يعتزل من شاء منهن ويؤوي من شاء ، وأن يؤوي
منهن من شاء بعد الاعتزال .
وقوله تعالى : ( ذلك أدنى أن تقر أعينهن ) ، يعني والله أعلم : إذا علمن بعد الإرجاء
أن لك أن تؤوي وترد إلى القسم . وهذه الآية تدل على أن القسم بينهن لم يكن واجبا
على النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان مخيرا في القسم لمن شاء منهن وترك من شاء منهن .
قوله تعالى : ( لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ) . روى ليث
عن مجاهد قال : " يعني من بعدما سمي لك من مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية
ولا كافرة " . وعن مجاهد أيضا في قوله : ( إلا ما ملكت يمينك ) قال : " لا بأس أن
تتسرى اليهودية والنصرانية " . وروى سعيد عن قتادة : ( لا يحل لك النساء من بعد ولا أن
تبدل بهن من أزواج ) قال : " لما خيرهن فاخترن الله ورسوله قصره عليهن ، وهن التسع
اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة " ، وهو قول الحسن . وروي غير ذلك ، وهو ما
روى إسرائيل عن السدي عن عبد الله بن شداد : ( لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل
بهن من أزواج ) قال : " ذلك لو طلقهن لم يحل له أن يستبدل " قال : " وكان ينكح ما شاء
بعد ما نزلت هذه الآية " . قال : " فنزلت هذه الآية وعنده تسع نسوة ، ثم تزوج أم حبيبة بنت
أبي سفيان وجويرية بنت الحارث " .
قال أبو بكر : ظاهر الآية يفيد تحريم سائر النساء على النبي صلى الله عليه وسلم سوى من كن تحته
وقت نزولها ، وقد روى ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة قالت : " ما مات
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حل له النساء " . قال أبو بكر : وهذا يوجب أن تكون الآية منسوخة ،
وليس في القرآن ما يوجب نسخها ، فهي إذا منسوخة بالسنة ، ويحتج به في جواز نسخ
القرآن بالسنة .
فإن قيل : قوله : ( لا يحل لك النساء من بعد ) خبر والخبر لا يجوز النسخ في
مخبره . قيل له : إنه وإن كان في صورة الخبر فهو نهي يجوز ورود النسخ عليه ، وهو
بمنزلة ما لو قال : لا تتزوج بعدهن النساء ، فيجوز نسخه .
قوله تعالى : ( ولو أعجبك حسنهن ) يدل على جواز النظر إلى وجه المرأة
الأجنبية ، إذ لا يعجبه حسنها إلا وقد نظر إليها .
باب ذكر حجاب النساء
قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام
أحكام القرآن — صفحة 482
مساهمون: الجصاص
ص٤٨٢