عن ابن عباس في رجل قال : إن تزوجت فلانة فهي طالق إنه ليس بشيء . وروي عن
عائشة وجابر في آخرين من التابعين قالوا : " لا طلاق قبل نكاح " . ولا دلالة في هذا اللفظ
على مخالفة قول أصحابنا ، لأن عندنا أن من قال : " إن تزوجت امرأة فهي طالق " أنه
مطلق بعد النكاح ، وما قدمنا من دلالة الآية على صحة قولنا كاف في الاحتجاج على
المخالف وتصحيح المقالة . ويدل عليه قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود )
[ المائدة : 1 ] اقتضى ظاهره إلزام كل عاقد موجب عقده ومقتضاه ، فلما كان هذا القائل
عاقدا على نفسه إيقاع طلاق بعد النكاح وجب أن يلزمه حكمه ، ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم :
" المسلمون عند شروطهم " ، أوجب ذلك أن كل من شرط على نفسه شرطا ألزم حكمه
عند وجود شرطه . ويدل عليه من طريق النظر اتفاق الجميع على أن النذر لا يصح إلا في
ملك ، وأن من قال : " إن رزقني الله ألف درهم فلله علي أن أتصدق بمائة منها " . أنه ناذر
في ملكه من حيث أضافه إليه وإن لم يكن مالكا في الحال ، فكذلك الطلاق والعتق إذا
أضافهما إلى الملك كان مطلقا ومعتقا في الملك . ويدل عليه أن من قال لجاريته : " إن
ولدت ولدا فهو حر " فحملت بعد ذلك وولدت أنه يعتق وإن لم يكن مالكا في حال
القول ، لأن الولد مضاف إلى الأم التي هو مالكها ، كذلك إذا أضاف العتق إلى الملك فهو
معتق في الملك وإن لم يكن له ملك موجود في الحال . وأيضا قد اتفق الجميع على أنه
إذا قال لامرأته : " إن دخلت الدار فأنت طالق " فدخلتها مع بقاء النكاح أنها تطلق ، ويكون
بمنزلة ما لو قال لها في تلك الحال : " أنت طالق " ، ولو أبانها ثم دخلها كان بمنزلة ما لو
قال لها في تلك الحال : " أنت طالق " فلا تطلق ، فدل ذلك على أن الحالف يصير
كالمتكلم بالجواب في ذلك الوقت ، فوجب أن يكون القائل : " كل امرأة أتزوجها فهي
طالق " فتزوج ، بمنزلة من تزوج ثم قال لها : " أنت طالق " .
فإن قيل : لو كان هذا صحيحا لوجب أنه لو حلف ثم جن فوجد شرط اليمين أن
لا يحنث ، لأنه بمنزلة المتكلم بالجواب في ذلك الوقت . قيل له : لا يجب ذلك ، لأن
المجنون لا قول له وقوله وسكوته بمنزلة ، فلما لم يصح قوله لم يصح إيقاعه ابتداء ،
ولما كان قوله قبل الجنون صحيحا لزمه حكمه في حال الجنون ، ومع ذلك فإن المجنون
قد يصح طلاق امرأته وعتق عبده لأنه لو كان مجنونا أو عنينا لفرق بينه وبينها وكان
طلاقا ، ولو ورث أباه عتق عليه ، كالنائم لا يصح منه ابتداء الإيقاع ويلزمه حكمه بسبب
يوجبه ، مثل أن يكون قد وكل بعتق عبده أو طلاق امرأته فطلق وهو نائم .
فإن قيل : قد روي عن علي ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" لا طلاق قبل نكاح " . قيل له : أسانيدها مضطربة لا يصح من جهة النقل ، ولو صح من
أحكام القرآن — صفحة 475
مساهمون: الجصاص
ص٤٧٥