يديه في الدعاء لا يردهما حتى يمسح بهما وجهه " .
قال أبو بكر : في هذه الآية وما ذكرنا من الآثار دليل على أن إخفاء الدعاء أفضل
من إظهاره ، لأن الخفية هي السر ، روي ذلك عن ابن عباس والحسن . وفي ذلك دليل
على أن إخفاء " آمين " بعد قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة أفضل من إظهاره لأنه دعاء ،
والدليل عليه ما روي في تأويل قوله تعالى : ( قد أجيبت دعوتكما ) [ يونس : 89 ] قال :
كان موسى يدعو وهارون يؤمن ، فسماهما الله داعيين . وقال بعض أهل العلم : إنما كان
إخفاء الدعاء أفضل لأنه لا يشوبه رياء .
وأما التضرع فإنه قد قيل إنه الميل في الجهات ، يقال ضرع الرجل يضرع ضرعا إذا
مال بأصبعيه يمينا وشمالا خوفا وذلا ، قال : ومنه ضرع الشاة لأن اللبن يميل إليه ،
والمضارعة المشابهة لأنها تميل إلى شبه نحو المقاربة . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنه كان
يدعو ويشير بالسبابة " . وقال ابن عباس : " لقد رئي النبي صلى الله عليه وسلم عشية عرفة رافعا يديه يدعو
حتى إنه ليرى ما تحت إبطيه " . وقال أنس : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى فمد يديه حتى
رأيت بياض إبطيه " . وفيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من رفع اليدين في الدعاء والإشارة بالسبابة
دليل على صحة تأويل من تأول التضرع على تحويل الأصبع يمينا وشمالا .
قوله تعالى : ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين
ليلة ) . قال أبو بكر : إنما قال تعالى : ( فتم ميقات ربه أربعين ليلة ) لأنه لما قال :
( ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ) جاز أن يسبق إلى وهم بعض السامعين أنه كان عشرين ليلة
ثم أتمها بعشر فصار ثلاثين ليلة ، فأزال هذا التوهم والتجوز وأخبر أنه أتم الثلاثين بعشر
غيرها زيادة عليها .
قوله تعالى : ( قال رب أرني أنظر إليك ) . قيل إنه سأل الرؤية على جهة استخراج
الجواب لقومه لما قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، ويدل عليه قوله تعالى :
( أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ) . وقيل : إنه سأله الرؤية التي هي علم الضرورة ، فبين الله
تعالى له أن ذلك لا يكون في الدنيا .
فإن قيل : فلم جاز أن يسأل الرؤية وهي غير جائزة على الله تعالى ؟ وهل يجوز على
هذا أن يسأله ما لا يجوز على الله تعالى من الظلم ؟ . قيل له : لأنه لا شبهة في فعل الظلم
أنه صفة نقص وذم فلا يجوز سؤال مثله ، وليس كذلك ما فيه شبهة ولا يظهر حكمه إلا
بالدلالة ، وهذا إن كان سأل الرؤية من غير تشبيه على ما روي عن الحسن والربيع بن أنس
والسدي وإن كان إنما سأل الرؤية التي هي علم الضرورة أو استخراج الجواب لقومه ،
أحكام القرآن — صفحة 45
مساهمون: الجصاص
ص٤٥