هذه الآية : " والله لقد كانوا يتبايعون في الأسواق ، فإذا حضر حق من حقوق الله بدأوا
بحق الله حتى يقضوه ثم عادوا إلى تجارتهم " . وعن عطاء قال : " شهود الصلاة
المكتوبة " . وقال مجاهد : ( عن ذكر الله ) قال : " عن مواقيت الصلاة " . ورأى ابن مسعود
أقواما يتجرون ، فلما حضرت الصلاة قاموا إليها ، قال : " هذا من الذين قال الله تعالى
فيهم : ( لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) " .
وقوله تعالى : ( ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض ) ، فإن التسبيح هو
التنزيه لله تعالى عما لا يجوز عليه من الصفات ، فجميع ما خلقه الله منزه له من جهة
الدلالة عليه ، والعقلاء المطيعون ينزهونه من جهة الاعتقاد والوصف له بما يليق به
وتنزيهه عما لا يجوز عليه .
وقوله تعالى : ( كل قد علم صلاته وتسبيحه ) يعني : صلاة من يصلي منهم فالله
يعلمها . وقال مجاهد : " الصلاة للإنسان والتسبيح لكل شيء " .
وقوله تعالى : ( وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه
عن من يشاء ) . قيل : إن " من " الأولى لابتداء الغاية ، لأن ابتداء الإنزال من السماء ،
والثانية للتبعيض ، لأن البرد بعض الجبال التي في السماء ، والثالثة لتبيين الجنس إذ كان
جنس تلك الجبال جنس البرد .
وقوله تعالى : ( والله خلق كل دابة من ماء ) قيل : إن أصل الخلق من ماء ، ثم قلب
إلى النار فخلق منه الجن ، ثم إلى الريح فخلقت الملائكة منها ، ثم إلى الطين فخلق آدم
منه ، وذكر الذي يمشي على رجلين والذي يمشي على أربع ولم يذكر ما يمشي على أكثر
من أربع لأنه كالذي يمشي على أربع في رأي العين ، فترك ذكره لأن العبرة تكفي بذكر
الأربع .
باب لزوم الإجابة لمن دعي إلى الحاكم
قال الله تعالى : ( وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون ) .
وهذا يدل على أن من ادعى على غيره حقا ودعاه إلى الحاكم فعليه إجابته والمصير معه
إليه ، لأن قوله تعالى : ( وإذا دعوا إلى الله ) معناه : إلى حكم الله . ويدل على أن من أتى
الحاكم فادعى على غيره حقا أن على الحاكم أن يعديه ويحضره ويحول بينه وبين تصرفه
وأشغاله . وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا إبراهيم الحربي قال : حدثنا
عبد الله بن شبيب قال : حدثنا أبو بكر بن شيبة قال : حدثنا فليح قال : حدثني محمد بن
أحكام القرآن — صفحة 424
مساهمون: الجصاص
ص٤٢٤