وتوبته من قبل أن الحد في القذف يبطل العدالة من وجهين ، أحدهما : عدالة الاسلام ،
والآخر : عدالة الفعل ، والذمي لم يكن مسلما حين حد فيكون وقوع الحد به مبطلا لعدالة
إسلامه ، وإنما بطلت عدالته من جهة الفعل ، فإذا أسلم فأحدث توبة فقد حصلت له
عدالة من جهة الاسلام ومن طريق الفعل أيضا بالتوبة ، فلذلك قبلت شهادته . وأما
المسلم فإن الحد قد أسقط عدالته من طريق الدين ولم يستحدث بالتوبة عدالة أخرى من
جهة الدين ، إذ لم يستحدث دينا بتوبته ، وإنما استحدث عدالة من طريق الفعل ، فلذلك
لم تقبل شهادته ، إذ كان شرط قبول الشهادة وجود العدالة من جهة الدين والفعل جميعا .
فإن قيل : لما اتفقنا على قبول شهادته إذا تاب قبل وقوع الحد به دل ذلك على أن
الاستثناء راجع إلى الشهادة كرجوعه إلى التفسيق ، فوجب على هذا أن يكون مقتضيا
لقبولها بعد الحد كهو قبله . قيل له : إن شهادته لم تبطل بالقذف قبل وقوع الحد به
ولا وجب الحكم بتفسيقه لما بيناه في المسألة المتقدمة ، ولو لم يتب وأقام على قذفه
كانت شهادته مقبولة ، وإنما بطلان الشهادة ولزومه سمة الفسق مرتب على وقوع الحد
به ، فالاستثناء إنما رفع عنه سمة الفسق التي لزمته بعد وقوع الحد فأما قبل ذلك فغير
محتاج إلى الاستثناء في الشهادة ولا في الحكم بالتفسيق .
ودليل آخر على صحة قولنا ، وهو أنا قد اتفقنا على أن التوبة لا تسقط الحد ، ولم
يرجع الاستثناء إليه ، فوجب أن يكون بطلان الشهادة مثله لأنهما جميعا أمران قد تعلقا
بالقذف ، فمن حيث لم يرجع الاستثناء إلى الحد وجب أن لا يرجع إلى الشهادة ، وأما
التفسيق فهو خبر ليس بأمر فلا يلزم على ما وصفنا . ومن جهة أخرى أن المطالبة بالحد
حق لآدمي فكذلك بطلان الشهادة حق لآدمي ، ألا ترى أن الشهادات إنما هي حق
للمشهود له وبمطالبة يصح أداؤها وإقامتها كما تصح إقامة حد القذف بمطالبة المقذوف ؟
فوجب أن يكونا سواء في أن التوبة لا ترفعهما ، وأما لزوم سمة الفسق فلا حق فيه لأحد
فكان الاستثناء راجعا إليه ومقصورا عليه .
فإن قيل : إذا كان التائب من الكفر مقبول الشهادة فالتائب من القذف أحرى به قيل
له : التائب من الكفر يزول عنه القتل ولا يزول عن التائب من القذف حد القذف ، فكما
جاز أن تزيل التوبة من الكفر القتل عن الكفار جاز أن تقبل توبته ولا يلزم عليه التائب من
القذف لأن توبته لا تزيل الجلد عنه . وأيضا فإن عقوبات الدنيا غير موضوعة على مقادير
الأجرام ، ألا ترى أن القاذف بالكفر لا يجب عليه الحد والقاذف بالزنا يجب عليه الحد ؟
فغلظ أمر القذف من هذا الوجه بما لم يغلظ به أمر القذف في أحكام الدنيا وإن كانت
عقوبة الكفر في الآخرة أعظم .
أحكام القرآن — صفحة 362
مساهمون: الجصاص
ص٣٦٢