فإن اعترفت فارجمها " . ولما كان حد القذف واجبا لما انتهك من عرضه بقذفه مع
إحصانه وجب أن تكون المطالبة به حقا له دون الإمام ، كما أن حد السرقة لما كان واجبا
لما انتهك من حرز المسروق وأخذ ماله لم يثبت إلا بمطالبة المسروق منه ، وأما فرق
مالك بين أن يسمعه الإمام أو يشهد به الشهود فلا معنى له ، لأن هذا إن كان مما للإمام
إقامته من غير مطالبة المقذوف فواجب أن لا يختلف فيه حكم سماع الإمام وشهادة
الشهود من غير سماعه .
باب شهادة القذف
قال الله عز وجل : ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ) . قال أبو
بكر : حكم الله تعالى في القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء على ما قذفه بثلاثة أحكام ،
أحدها : جلد ثمانين ، والثاني : بطلان الشهادة ، والثالث : الحكم بتفسيقه إلى أن يتوب .
واختلف أهل العلم في لزوم هذه الأحكام له وثبوتها عليه بالقذف بعد اتفاقهم على
وجوب الحد عليه بنفس القذف عند عجزه عن إقامة البينة على الزنا ، فقال قائلون : " قد
بطلت شهادته ولزمته سمة الفسق قبل إقامة الحد عليه " ، وهو قول الليث بن سعد
والشافعي . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد ومالك : " شهادته مقبولة ما لم
يحد " ، وهذا يقتض من قولهم أنه غير موسوم بسمة الفسق ما لم يقع به الحد ، لأنه لو
لزمته سمة الفسق لما جازت شهادته ، إذ كانت سمة الفسق مبطلة لشهادة من وسم بها إذا
كان فسقه من طريق الفعل لا من جهة التدين والاعتقاد ، والدليل على صحة ذلك قوله
تعالى : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة
ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) ، فأوجب بطلان شهادته عند عجزه عن إقامة البينة على صحة
قذفه . وفي ذلك ضربان من الدلالة على جواز شهادته وبقاء حكم عدالته ما لم يقع الحد
به ، أحدهما قوله : ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) وثم للتراخي في حقيقة اللغة فاقتضى
ذلك أنهم متى أتوا بأربعة شهداء متراخيا عن حال القذف أن يكونوا غير فساق بالقذف
لأنه قال ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) الآية ، فكان تقديره : ثم لم يأتوا بأربعة شهداء
فأولئك هم الفاسقون ، فإنما حكم بفسقهم متراخيا عن حال القذف في حال العجز عن
إقامة الشهود ، فمن حكم بفسقهم بنفس القذف فقد خالف حكم الآية وأوجب ذلك أن
تكون شهادة القاذف غير مردودة لأجل القذف ، فثبت بذلك أن بنفس القذف لم تبطل
شهادته . وأيضا فلو كانت شهادته تبطل بنفس القذف لما كان تركه إقامة البينة على زنا
المقذوف مبطلا لشهادته ، وهي قد بطلت قبل ذلك . والوجه الآخر : أن المعقول من هذا
أحكام القرآن — صفحة 353
مساهمون: الجصاص
ص٣٥٣