لأنه قال : ( ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) [ البقرة : 196 ] ، وكان المحل
مجملا في هذه الآية ، فلما قال : ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) بين فيه ما أجمل ذكره في
الآية الأولى ، فوجب أن يكون محل هدي الإحصار الحرم . ولم يختلفوا في سائر الهدايا
التي يتعلق وجوبها بالإحرام مثل جزاء الصيد وفدية الأذى ودم التمتع أن محلها الحرم ،
فكذلك هدي الإحصار لما تعلق وجوبه بالإحرام وجب أن يكون في الحرم .
قوله تعالى : ( والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير ) ، قيل : إن البدن
الإبل المبدنة بالسمن ، يقال بدنت الناقة إذا سمنتها ، ويقال بدن الرجل إذا سمن . وإنما
قيل لها بدنة من هذه الجهة ، ثم سميت الإبل بدنا مهزولة كانت أو سمينة ، فالبدنة اسم
يختص بالبعير في اللغة ، إلا أن البقرة لما صارت في حكم البدنة قامت مقامها ، وذلك
لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة فصار البقر في حكم البدن ، ولذلك
كان تقليد البقرة كتقليد البدنة في باب وقوع الإحرام بها لسائقها ولا يقلد غيرهما ، فهذان
المعنيان اللذان يختص بهما البدن دون سائر الهدايا ، وروي عن جابر بن عبد الله قال :
" البقرة من البدن " .
واختلف أصحابنا فيمن قال " لله علي بدنة " هل يجوز له نحرها بغير مكة ؟ فقال أبو
حنيفة ومحمد : " يجوز له ذلك " ، وقال أبو يوسف : " لا يجوز له نحره إلا بمكة " . ولم
يختلفوا فيمن نذر هديا أن عليه ذبحه بمكة وأن من قال : " لله علي جزور " أنه يذبحه حيث
شاء . وروي عن ابن عمر أنه قال : " من نذر جزورا نحرها حيث شاء وإذا نذر بدنة نحرها
بمكة " ، وكذا روي عن الحسن وعطاء ، وكذا روي عن عبد الله بن محمد بن علي وسالم
وسعيد بن المسيب . وروي عن الحسن أيضا وسعيد بن المسيب قالا : " إذا جعل على
نفسه هديا فبمكة وإذا قال بدنة فحيث نوى " . وقال مجاهد : ليست البدن إلا بمكة " .
وذهب أبو حنيفة إلى أن البدنة بمنزلة الجزور ولا يقتضي إهداءها إلى موضع فكان بمنزلة
ناذر الجزور والشاة ونحوها ، وأما الهدي فإنه يقتضي إهدائه إلى موضع ، وقال الله
تعالى : ( هديا بالغ الكعبة ) [ المائدة : 95 ] فجعل بلوغ الكعبة من صفة الهدي . ويحتج
لأبي يوسف بقوله تعالى : ( والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير ) فكان اسم
البدنة مفيدا لكونها قربة كالهدي ، إذ كان اسم الهدي يقتضي كونه قربة مجعولا لله ، فلما
لم يجز الهدي إلا بمكة كان كذلك حكم البدنة . قال أبو بكر : وهذا لا يلزم من قبل أنه
ليس كل ما كان ذبحه قربة فهو مختص بالحرم ، لأن الأصحية قربة وهي جائزة في سائر
الأماكن ، فوصفه للبدن بأنها من شعائر الله لا يوجب تخصيصها بالحرم .
قوله تعالى : ( فاذكروا اسم الله عليها صواف ) ، روى يونس عن زياد قال : رأيت
أحكام القرآن — صفحة 317
مساهمون: الجصاص
ص٣١٧