أخرناه ولم يجز تأخيره إلى آخر أيام التشريق ، ولذلك قال أبو حنيفة : " من أخره إلى أيام
التشريق فعليه دم " ، وقال أبو يوسف ومحمد : " لا شيء عليه " .
فإن قيل : لما كانت " ثم " تقتضي التراخي وجب جواز تأخيره إلى أي وقت شاء
الطائف . قيل له : لا خلاف أنه ليس بواجب عليه التأخير ، وظاهر اللفظ يقتضي إيجاب
تأخيره إذا حمل على حقيقته ، فلما لم يكن التأخير واجبا وكان فعله واجبا لا محالة
اقتضى ذلك لزوم فعله يوم النحر من غير تأخير وهو الوقت الذي أمر فيه بقضاء التفث ،
فاستدلالك بظاهر اللفظ على جواز تأخيره أبدا غير صحيح مع كون " ثم " في هذا الموضع
غير مراد بها حقيقة معناها من وجوب فعله على التراخي ، ولهذا قال أبو حنيفة فيمن أخر
الحلق إلى آخر أيام التشريق إن عليه دما ، لأن قوله تعالى : ( ثم ليقضوا تفثهم ) قد
اقتضى فعل الحلق على الفور في يوم النحر ، وأباح تأخيره إلى آخر أيام النحر بالاتفاق
ولم يبحه أكثر من ذلك . ومما يحتج به لأبي حنيفة في ذلك أن الله تعالى قد أباح النفر في
اليوم الثاني من أيام التشريق - وهو الثالث من النحر - بقوله تعالى : ( واذكروا الله في أيام
معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ) [ البقرة : 203 ] ، ويمتنع إباحة النفر قبل
تقديم طواف الزيارة ، فثبت أنه مأمور به قبل النفر الأول وهو اليوم الثالث من النحر ، فإذا
تضمن ذلك فقد تم الطواف ، فهو لا محالة منهي عن تأخيره ، فإذا أخره لزمه جبرانه بدم .
وقوله تعالى : ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) لما كان لفظا ظاهر المعنى بين المراد
اقتضى جواز الطواف على أي وجه أوقعه من حدث أو جنابة أو عريان أو منكوسا أو
زحفا ، إذ ليس فيه دلالة على كون الطهارة وما ذكرنا شرطا فيه ، ولو شرطنا فيه الطهارة
وما ذكرنا كنا زائدين في النص ما ليس فيه ، والزيادة في النص غير جائزة إلا بمثل ما
يجوز به النسخ ، فقد دلت الآية على وقوع الطواف موقع الجواز وإن فعله على هذه
الوجوه المنهي عنها . وقوله : ( ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت
العتيق ) يقتضي جواز أي ذلك فعله من غير ترتيب ، إذ ليس في اللفظ دلالة على
الترتيب ، فإن فعل الطواف قبل قضاء التفث أو قضى التفث ثم طاف فإن مقتضى الآية أن
يجزي جميع ذلك ، إذ " الواو " لا توجب الترتيب .
ولم يختلف الفقهاء في إباحة الحلق واللبس قبل طواف الزيارة ، ولم يختلفوا أيضا
في حظر الجماع قبله ، واختلفوا في الطيب والصيد ، فقال قائلون : " هما مباحان قبل
الطواف " وهو قول أصحابنا وعامة الفقهاء ، وهو قول عائشة في آخرين من السلف . وقال
عمر بن الخطاب وابن عمر : " لا تحل له النساء والطيب والصيد حتى يطوف للزيارة " .
وقال قوم : " لا تحل له النساء والطيب والصيد حتى يطوف " . وروى سفيان بن عيينة عن
أحكام القرآن — صفحة 313
مساهمون: الجصاص
ص٣١٣