النفي يقتضي نفي كل واحد مما دخل عليه على حياله ، لأن قوله تعالى : ( إلا ما حملت
ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ) تحريم للجميع ، ونظيره قوله تعالى : ( ولا تطع
منهم آثما أو كفورا ) [ الانسان : 24 ] نهى عن طاعة كل واحد منهما ، وكذلك قال
أصحابنا فيمن قال والله لا أكلم فلانا أو فلانا أنه أيهما كلم حنث ، لأنه نفى كلام كل
واحد منهما على حدة .
قوله تعالى : ( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ) إلى قوله :
( كذلك كذب الذين من قبلهم ) فيه إكذاب للمشركين بقولهم : " لو شاء الله ما أشركنا
ولا آباؤنا " لأنه قال تعالى : ( كذلك كذب الذين من قبلهم ) ، ومن كذب بالحق فهو
كاذب في تكذيبه ، فأخبر تعالى عن كذب الكفار بقولهم : " لو شاء الله ما أشركنا " ولو كان
الله قد شاء الشرك لما كانوا كاذبين في قولهم : " لو شاء الله ما أشركنا " . وفيه بيان أن الله
تعالى لا يشاء الشرك ، وقد أكد ذلك أيضا بقوله : ( إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا
تخرصون ) يعني : تكذبون ، فثبت أن الله تعالى غير شاء لشركهم وأنه قد شاء منهم
الإيمان اختيارا ، ولو شاء الله الإيمان منهم قسرا لكان عليه قادرا ، ولكنهم كانوا
لا يستحقون به الثواب والمدح . وقد دلت العقول على مثل ما نص الله عليه في القرآن أن
مريد الشرك والقبائح سفيه كما أن الآمر به سفيه ، وذلك لأن الإرادة للشرك استدعاء إليه
كما أن الأمر به استدعاء إليه ، فكل ما شاء الله من العباد فقد دعاهم إليه ورغبهم فيه
ولذلك كان طاعة ، كما أن كل ما أمر الله به فقد دعاهم إليه ويكون طاعة منهم إذا فعلوه ،
وليس كذلك العلم بالشرك ، لأن العلم بالشئ لا يوجب أن يكون العالم به مستدعيا إليه
ولا أن يكون المعلوم من فعل غيره طاعة إذا لم يرده .
فإن قيل : أنما أنكر الله على المشركين باحتجاجهم لشركهم بأن الله تعالى قد شاءه
وليس ذلك بحجة ، ولو كان مراده تكذيبهم في قولهم لقال : كذلك كذب الذين من
قبلهم ، بالتخفيف . قيل له : لو كان الله قد شاء الكفر منهم لكان احتجاجهم صحيحا
ولكان فعلهم طاعة لله ، فلما أبطل الله احتجاجهم بذلك علم أنه إنما كان كذلك لأن الله
تعالى لم يشأ . وأيضا فقد أكذبهم الله تعالى في هذا القول من وجهين ، أحدهما : أنه أخبر
بتكذيبهم بالحق والمكذب بالحق لا يكون إلا كاذبا ، والثاني : قوله : ( وإن أنتم إلا
تخرصون ) يعني : تكذبون .
قوله تعالى : ( قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا ) الآية . يعني أبطل
لعجزهم عن إقامة الدلالة ، إلا أن الله حرم هذا إذ لم يمكنهم إثبات ما ادعوه من جهة
عقل ولا سمع وما لم يثبت من أحد هذين الوجهين وليس بمحسوس مشاهد فطريق
أحكام القرآن — صفحة 30
مساهمون: الجصاص
ص٣٠