شيء قد استأثر الله بعلمه إلا من أطلع عليه من ملائكته حين يأمره بكتب رزقه وأجله
وعمله شقي أو سعيد ، قال الله تعالى : ( الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام
وما تزداد ) [ الرعد : 8 ] ، وقال : ( ويعلم ما في الأرحام ) [ لقمان : 34 ] ، وهو عالم بكل
شيء جل وتعالى ، ولكنه خص نفسه بالعلم بالأرحام في هذا الموضع إعلاما لنا أن أحدا
غيره لا يعلم ذلك وأنه من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ومن ارتضى من رسول ، قال
الله تعالى : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ) [ الجن :
26 ] والله أعلم .
باب بيع أراضي مكة وإجارة بيوتها
قال الله تعالى : ( والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ) .
روى إسماعيل بن مهاجر عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مكة
مناخ لاتباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها " . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : " كانوا
يرون الحرم كله مسجدا سواء العاكف فيه والبادي " . وروى يزيد بن أبي زياد عن
عبد الرحمن بن سابط : ( سواء العاكف فيه والباد ) قال : " من يجيء من الحاج
والمعتمرين سواء في المنازل ينزلون حيث شاءوا غير أن لا يخرج من بيته ساكنه " ، قال :
وقال ابن عباس في قوله : ( سواء العاكف فيه والباد ) قال : ( العاكف فيه ) : أهله ،
( والباد ) : من يأتيه من أرض أخرى وأهله في المنزل سواء ، وليس ينبغي لهم أن يأخذوا
من البادي إجارة المنزل . وروى جعفر بن عون عن الأعمش عن إبراهيم قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مكة حرمها الله لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها " . وروى أبو معاوية
عن الأعمش عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . وروى عيسى بن يونس عن عمر بن سعيد بن
أبي حسين عن عثمان بن أبي سليمان عن علقمة بن نضلة قال : " كانت رباع مكة في زمان
رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان أبي بكر وعمر وعثمان تسمى السوائب من احتاج سكن ومن استغنى
سكن " . وروى الثوري عن منصور عن مجاهد قال : قال عمر : " يا أهل مكة لا تتخذوا
لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث شاء " . وروى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر : " أن عمر
نهى أهل مكة أن يغلقوا أبواب دورهم دون الحاج " . وروى ابن أبي نجيح عن عبد الله بن
عمر قال : " من أكل كراء بيوت مكة فإنما أكل نارا في بطنه " . وروى عثمان بن الأسود
عن عطاء قال : " يكره بيع بيوت مكة وكراؤها " . وروى ليث عن القاسم قال : " من أكل
كراء بيوت مكة فإنما يأكل نارا " . وروى معمر عن ليث عن عطاء وطاوس ومجاهد :
" كانوا يكرهون أن يبيعوا شيئا من رباع مكة " .
قال أبو بكر : قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ما ذكرنا ، وروي عن الصحابة
أحكام القرآن — صفحة 299
مساهمون: الجصاص
ص٢٩٩