على هذا الوجه ، بأن يكون صاحبها أرسلها ليلا وساقها وهو غير عالم بنفشها في حرث
القوم ، فأوجبا عليه الضمان ، وإذا كان ذلك محتملا لم تثبت فيه دلالة على موضع
الخلاف .
وقد تنازع الفريقان من المختلفين في حكم المجتهد في الحادثة القائلون منهم بأن
الحق واحد والقائلون بأن الحق في جميع أقاويل المختلفين ، فاستدل كل منهم بالآية
على قوله ، وذلك لأن الذين قالوا بأن الحق في واحد زعموا أنه لما قال تعالى :
( ففهمناها سليمان ) فخص سليمان بالفهم دل ذلك على أنه كان المصيب للحق عند الله
دون داود ، إذ لو كان الحق في قوليهما لما كان لتخصيص سليمان بالفهم دون داود
معنى . وقال القائلون بأن كل مجتهد مصيب : لما لم يعنف داود على مقالته ولم يحكم
بتخطئته دل على أنهما جميعا كانا مصيبين ، وتخصيصه لسليمان بالتفهيم لا يدل على أن
داود كان مخطئا ، وذلك لأنه جائز أن يكون سليمان أصاب حقيقة المطلوب فلذلك خص
بالتفهيم ولم يصب داود عين المطلوب ، وإن كان مصيبا لما كلف .
ومن الناس من يقول : إن حكم داود وسليمان جميعا كان من طريق النص لا من
جهة الاجتهاد ، ولكن داود لم يكن قد أبرم الحكم ولا أمضى القضية بما قال ، أو أن
يكون قوله ذلك على وجه الفتيا لا على جهة إنفاذ القضاء بما أفتى به ، أو كانت قضية
معلقة بشريطة لم تفصل بعد ، فأوحى الله تعالى إلى سليمان بالحكم الذي حكم به ونسخ
به الحكم الذي كان داود أراد أن ينفذه ، قالوا : ولا دلالة في الآية على أنهما قالا ذلك من
جهة الرأي ، قالوا : وقوله : ( ففهمناها سليمان ) يعني به تفهيمه الحكم الناسخ . وهذا
قول من لا يجيز أن يكون حكم النبي صلى الله عليه وسلم من طريق الاجتهاد والرأي وإنما يقوله من طريق
النص . آخر سورة الأنبياء .
أحكام القرآن — صفحة 293
مساهمون: الجصاص
ص٢٩٣