قوله تعالى : ( لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا ) . قيل فيه
وجوه ، أحدها : ما ألبسهم الله تعالى من الهيبة لئلا يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب
أجله فيهم وينتبهوا من رقدتهم ، وذلك وصفهم في حال نومهم لا بعد اليقظة . والثاني :
أنهم كانوا في مكان موحش من الكهف أعينهم مفتوحة يتنفسون ولا يتكلمون . والثالث :
أن أظفارهم وشعورهم طالت فلذلك يأخذ الرعب منهم .
قوله تعالى : ( قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ) . لما حكى الله ذلك عنهم غير منكر
لقولهم علمنا أنهم كانوا مصيبين في إطلاق ذلك ، لأن مصدره إلى ما كان عندهم من
مقدار اللبث وفي اعتقادهم لا عن حقيقة اللبث في المغيب ، وكذلك هذا في قوله :
( فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم ) [ البقرة : 259 ]
ولم ينكر الله ذلك ، لأنه أخبر عما عنده وفي اعتقاده لا عن مغيب أمره . وكذلك قول
موسى عليه السلام للخضر : ( أفتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا )
[ الكهف : 74 ] و ( لقد جئت شيئا إمرا ) الكهف : 71 ] يعني : عندي كذلك . ونحوه قول
النبي صلى الله عليه وسلم : " كل ذلك لم يكن " حين قال ذو اليدين : أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ .
قوله تعالى : ( فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة " الآية ، يدل على جواز خلط
دراهم الجماعة والشرى بها والأكل من الطعام الذي بينهم بالشركة وإن كان بعضهم قد
يأكل أكثر مما يأكل غيره ، وهذا الذي يسميه الناس المناهدة ويفعلونه في الأسفار ، وذلك
لأنهم قالوا : فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة ، فأضاف الورق إلى الجماعة ،
ونحوه قوله تعالى : ( وإن تخالطوهم فإخوانكم ) [ البقرة : 220 ] فأباح لهم بذلك خلط
طعام اليتيم بطعامهم وأن تكون يده مع أيديهم مع جواز أن يكون بعضهم أكثر أكلا من
غيره . وفي هذه الآية دلالة على جواز الوكالة بالشرى ، لأن الذي بعثوا به كان وكيلا لهم .
باب الاستثناء في اليمين
قال الله تعالى : ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ) . قال أبو
بكر : هذا الضرب من الاستثناء يدخل لرفع حكم الكلام حتى يكون وجوده وعدمه سواء ،
وذلك لأن الله تعالى ندبه الاستثناء بمشيئة الله تعالى لئلا يصير كاذبا بالحلف ، فدل
على أن حكمه ما وصفنا . ويدل عليه أيضا قوله عز وجل حاكيا عن موسى عليه السلام :
( ستجدني إن شاء الله صابرا ) [ الكهف : 69 ] فلم يصبر ولم يك كاذبا لوجود الاستثناء
في كلامه ، فدل على أن معناه ما وصفنا من دخوله في الكلام لرفع حكمه فوجب أن
لا يختلف حكمه في دخوله على اليمين أو على إيقاع الطلاق أو على العتاق . وقد روى
أحكام القرآن — صفحة 277
مساهمون: الجصاص
ص٢٧٧