الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة . وقال تعالى : ( حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين
سنة قال رب أوزعني ) [ الأحقاف : 15 ] فذكر في قصة موسى بلوغ الأشد والاستواء ،
وذكر في هذه الآية بلوغ الأشد ، وفي الأخرى بلوغ الأشد وبلوغ أربعين سنة ، وجائز أن
يكون المراد ببلوغ الأشد قبل أربعين سنة وقبل الاستواء ، وإذا كان كذلك فالأشد ليس له
مقدار معلوم في العادة لا يزيد عليه ولا ينقص منه ، وقد يختلف أحوال الناس فيه فيبلغ
بعضهم الأشد في مدة لا يبلغه غيره في مثلها ، لأنه إن كان بلوغ الأشد هو اجتماع الرأي
واللب بعد الحلم فذلك مختلف في العادة وإن كان بلوغه اجتماع القوى وكمال الجسم
فهو مختلف أيضا ، وكل ما كان حكمه مبنيا على العادات فغير ممكن القطع به على وقت
لا يتجاوزه ولا يقصر عنه إلا بتوقيف أو إجماع ، فلما قال في آية : ( ولا تقربوا مال اليتيم
إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ) اقتضى ذلك دفع المال إليه عند بلوغ الأشد من غير
شرط إيناس الرشد ، ولما قال في آية أخرى : ( حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم
رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ) [ النساء : 6 ] شرط فيها بعد بلوغ النكاح إيناس الرشد ولم
يشرط ذلك في بلوغ الأشد ولا بلوغ حد الكبر في قوله : ( ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن
يكبروا ) [ النساء : 6 ] ، فقال أبو حنيفة : " لا يدفع إليه ماله بعد البلوغ حتى يؤنس منه
رشدا ويكبر ويبلغ الأشد وهو خمس وعشرون سنة ثم يدفع إليه ماله بعد أن يكون
عاقلا " ، فجائز أن تكون هذه مدة بلوغ الأشد عنده .
قوله تعالى : ( وأوفوا بالعهد ) ، يعني والله أعلم إيجاب الوفاء بما عاهد الله على
نفسه من النذور والدخول في القرب ، فألزمه الله تعالى إتمامها ، وهو كقوله تعالى :
( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من
فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ) [ التوبة : 75 و 77 ] ،
وقيل : أوفوا بالعهد في حفظ مال اليتيم مع قيام الحجة عليكم بوجوب حفظه ، وكل ما
قامت به الحجة من أوامر الله وزواجره فهو عهد .
وقوله تعالى : ( إن العهد كان مسؤولا ) معناه : مسؤولا عنه للجزاء ، فحذف اكتفاء
بدلالة الحال وعلم المخاطب بالمراد . وقيل : إن العهد يسأل فيقال لم نقضت ؟ كما تسأل
الموءودة بأي ذنب قتلت ، وذلك يرجع إلى معنى الأول لأنه توقيف وتقرير لناقض العهد
كما أن سؤال الموءودة توقيف وتقرير لقائلها بأنه قتلها بغير ذنب .
قوله تعالى : ( وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ) ، فيه دلالة على
أن من اشترى شيئا من المكيلات مكايلة أو من الموزونات موازنة واجب عليه أن لا يأخذ
المشتري كيلا إلا بكيل ولا المشتري وزنا إلا بوزن ، وأنه غير جائز له أن يأخذه مجازفة ،
أحكام القرآن — صفحة 263
مساهمون: الجصاص
ص٢٦٣