من الطير " . وقال مالك : " لا يؤكل سباع الوحش ولا الهر الوحشي ولا الأهلي ولا الثعلب
ولا الضبع ولا شئ من السباع ، ولا بأس بأكل سباع الطير الرخم والعقبان والنسور
وغيرها ما أكل الجيف منها وما لا يأكل " . وقال الأوزاعي : الطير كله حلال إلا أنهم
يكرهون الرخم " . وقال الليث : " لا بأس بأكل الهر وأكره الضبع " . وقال الشافعي :
" لا يؤكل ذو الناب من السباع التي تعدو على الناس الأسد والنمر والذئب ، ويؤكل الضبع
والثعلب ، ولا يؤكل النسر والبازي ونحوه لأنها تعدو على طيور الناس " . وحدثنا
عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال : حدثنا حجاج قال : حدثنا حماد
قال : حدثنا عمران بن جبير أن عكرمة سئل عن الغراب قال : دجاجة سمينة ، وسئل عن
الضبع فقال : نعجة سمينة . قال أبو بكر : حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال :
حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني :
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع " . وحدثنا محمد بن بكر قال :
حدثنا أبو داود قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن ميمون بن مهران
عن ابن عباس قال : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع وعن كل ذي
مخلب من الطير " ، وروى علي بن أبي طالب والمقدام بن معد يكرب وأبو هريرة
وغيرهما . فهذه آثار مستفيضة في تحريم ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير ،
والثعلب والهر والنسر والرخم داخلة في ذلك ، فلا معنى لاستثناء شئ منها إلا بدليل
يوجب تخصيصه ، وليس في قبولها ما يوجب نسخ قوله تعالى : ( قل لا أجد فيما أوحي
إلي محرما على طاعم يطعمه ) لأنه إنما فيه إخبار بأنه لم يكن المحرم غير المذكور وأن
ما عداه كان باقيا على أصل الإباحة ، وكذلك الأخبار الواردة في لحوم الحمر الأهلية هذا
حكمها ، ومع ذلك فإن هذه الآية خاصة باتفاق أهل العلم على تحريم أشياء كثيرة غير
مذكورة في الآية فجاز قبول أخبار الآحاد في تخصيصها .
وكره أصحابنا الغراب الأبقع لأنه يأكل الجيف ، ولم يكرهوا الغراب الزرعي لما
روى قتادة عن سعيد بن المسيب عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خمس فواسق يقتلهن
المحرم في الحل والحرم " وذكر أحدها الغراب الأبقع ، فخص الأبقع بذلك لأنه يأكل
الجيف ، فصار أصلا في كراهة أشباهه مما يأكل الجيف . قوله عليه السلام : " خمس
يقتلهن المحرم " يدل على تحريم أكل هذه الخمس وأنها لا تكون إلا مقتولة غير مذكاة ،
ولو كانت مما يؤكل لأمر بذبحها وذكاتها لئلا تحرم بالقتل .
فإن قيل بما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا إسماعيل بن الفضل قال : حدثنا
محمد بن حاتم قال : حدثنا يحيى بن مسلم قال : حدثني إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير
أحكام القرآن — صفحة 24
مساهمون: الجصاص
ص٢٤