شاة وشاة ففيها خمس شياه " ، وروى إبراهيم نحو ذلك . وقد ثبتت آثار مستفيضة عن
النبي صلى الله عليه وسلم بالقول الأول دون قول الحسن بن صالح .
واختلف في صدقة العوامل من الإبل والبقر ، فقال أصحابنا والثوري والأوزاعي
والحسن بن صالح والشافعي : " ليس فيها شيء " وقال مالك والليث : " فيها صدقة " .
والحجة للقول الأول ما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا حسن بن إسحاق التستري
قال : حدثنا حمويه قال : حدثنا سوار بن مصعب عن ليث عن طاوس عن ابن عباس أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس في البقر العوامل صدقة " . وحدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا
أبو داود قال : حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال : حدثنا زهير قال : حدثنا أبو إسحاق
عن عاصم بن ضمرة وعن الحارث الأعور عن علي رضي الله عنه - قال زهير : أحسبه عن
النبي صلى الله عليه وسلم - قال : " وفي البقر في كل ثلاثين تبيع وفي الأربعين مسنة وليس على العوامل
شيء " وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليس في النخة ولا في الكسعة ولا في الجبهة
صدقة " . وقال أهل اللغة : النخة البقر العوامل والكسعة الحمير والجبهة الخيل . وأيضا
فإن وجوب الصدقة فيما عدا الذهب والفضة متعلق بكون مرصدا للنماء من نسلها أو من
أنفسها ، والسائمة يطلب نماؤها إما من نسلها أو من أنفسها ، والعاملة غير مرصدة للنماء
وهي بمنزلة دور الغلة وثياب البذلة ونحوها . وأيضا الحاجة إلى علم وجوب الصدقة في
العوامل كهي إلى السائمة ، فلو كان من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف في إيجابها في العاملة لورد
النقل به متواترا في وزن وروده في السائمة ، فلما لم يرد بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن
الصحابة نقل مستفيض علمنا أنه لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم توقيف في إيجابها ، بل قد وردت
آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في نفي الصدقة عنها ، منها ما قدمناه ومنها ما روى يحيى بن أيوب عن
المثنى بن الصباح عن عمرو بن دينار أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس في ثور المثيرة
صدقة " . وروي عن علي وجابر بن عبد الله وإبراهيم ومجاهد وعمر بن عبد العزيز
والزهري نفي صدقة البقر العوامل ، ويدل عليه حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لأبي بكر
الصديق كتابا في الصدقات : " هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على
المسلمين ، فمن سألها من المؤمنين على وجهها فليعطها ومن سئل فوقها فلا يعطه :
صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين فيها شاة " ، فنفى بذلك الصدقة عن غير السائمة
لأنه ذكر السائمة ونفى الصدقة عما عداها .
فإن قيل : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم " في خمس من الإبل شاة " وذلك عموم يوجب في
السائمة وغيرها . قيل له : يخصه ما ذكرنا ، ولم يقل بقول مالك في إيجابه الصدقة في
البقر العوامل أحد قبله .
أحكام القرآن — صفحة 195
مساهمون: الجصاص
ص١٩٥