مجمل مفتقر إلى البيان في المأخوذ والمأخوذ منه ومقادير الواجب والموجب فيه ووقته
وما يستحقه وما ينصرف فيه ، فكان لفظ الزكاة مجمل في هذه الوجوه كلها ، وقال
تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة ) فكان الاجمال في لفظ الصدقة دون لفظ الأموال لأن
الأموال اسم عموم في مسمياته ، إلا أنه قد ثبت أن المراد خاص في بعض الأموال دون
جميعها والوجوب في وقت من الزمان دون سائره ، ونظيره قوله تعالى : ( في أموالهم
حق معلوم للسائل والمحروم ) [ المعارج : 24 و 25 ] ، وكان مراد الله تعالى في جميع
ذلك موكولا إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقال تعالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم
عنه فانتهوا ) [ الحشر : 7 ] . حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا
محمد بن بشار قال : حدثني محمد بن عبد الله الأنصاري قال : حدثنا صرد بن أبي
المنازل قال : سمعت حبيبا المالكي قال : قال رجل لعمران بن حصين : يا أبا نجيد إنكم
لتحدثوننا بأحاديث ما نجد لها أصلا في القرآن ! فغضب عمران وقال للرجل : أوجدتم في
كل أربعين درهما درهما ومن كل كذا وكذا شاة شاة ومن كذا وكذا بعيرا كذا وكذا ،
أوجدتم هذا في القرآن ؟ قال : لا ، قال : فعمن أخذتم هذا ؟ أخذتموه عنا وأخذناه عن
نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر أشياء نحو هذا . فمما نص الله تعالى عليه من أصناف الأموال التي
تجب فيها الزكاة الذهب والفضة بقوله : ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في
سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ) فنص على وجوب الحق فيهما بأخص أسمائهما تأكيدا
وتبيينا . ومما نص عليه زكاة الزرع والثمار في قوله : ( وهو الذي أنشأ جنات معروشات )
إلى قوله : ( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ) [ الأنعام : 141 ] ، فالأموال
التي تجب فيها الزكاة الذهب والفضة وعروض التجارة والإبل والبقر والغنم السائمة
والزرع والثمر على اختلاف من الفقهاء في بعض ذلك ، وقد ذكر بعض صدقة الزرع
والثمر في سورة الأنعام .
وأما المقدار فإن نصاب الورق مائتا درهم ونصاب الذهب عشرون دينارا ، وقد
روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم . وأما الإبل فإن نصابها خمس منها ، ونصاب الغنم أربعون شاة ،
ونصاب البقر ثلاثون . وأما المقدار الواجب ففي الذهب والفضة وعروض التجارة ربع
العشر إذا بلغ النصاب ، وفي خمس من الإبل شاة ، وفي أربعين شاة شاة ، وفي ثلاثين
بقرة تبيع . وقد اختلف في صدقة الخيل ، وسنذكره بعد هذا إن شاء الله . وأما الوقت فهو
حول الحول على المال مع كمال النصاب في ابتداء الحول وآخره . وأما من تجب عليه
فهو أن يكون المالك حرا بالغا عاقلا مسلما صحيح الملك لا دين عليه يحيط بماله أو بما
لا يفضل عنه مائتا درهم . حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا القعنبي
أحكام القرآن — صفحة 191
مساهمون: الجصاص
ص١٩١