فجاءه رجل فقال : يا رسول الله إن أبا حثمة قد زاد على ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ابن
عمك يزعم أنك قد زدت عليه " فقال : يا رسول الله لقد تركت له قدر عرية أهله وما يطعم
المساكين وما يصيب الريح ، فقال : " قد زادك ابن عمك وأنصفك " ، والعرايا هي الصدقة ،
فإنما أمر بذلك الثلث صدقة . ويدل عليه حديث جرير بن حازم عن قيس بن مسعود عن
مكحول الشامي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خففوا في الخرص فإن في المال العرية والوصية "
فجمع بين العرية والوصية ، فدل على أنه أراد الصدقة . وروى أبو سعيد الخدري عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ليس في العرايا صدقة " ، فلم يوجب فيها صدقة لأن العرية نفسها
صدقة ، وإنما فائدة الخبر أن ما تصدق به صاحب العشر يحتسب له ولا تجب فيها صدقة
ولا يضمنها .
ذكر الخلاف في اعتبار ما يجب فيه الحق
فقال أبو حنيفة وزفر : " يجب العشر في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره إلا ما قدمنا
ذكره " . وقال أبو يوسف ومحمد ومالك وابن أبي ليلى والليث والشافعي : " لا يجب حتى
يبلغ ما يجب فيه الحق خمسة أوسق " وذلك إذا كان ما يجب فيه الحق مكيلا ، فإن لم
يكن مكيلا فإن أبا يوسف اعتبر أن يكون فيه خمسة أوسق من أدنى الأشياء التي تدخل في
الوسق مما يجب فيه العشر إلا في العسل ، فإنه روي عنه أنه اعتبر عشرة أرطال ، وروي
أنه اعتبر عشر قرب ، وروي أنه اعتبر قيمة خمسة أوسق من أدنى ما يدخل في الوسق .
وأما محمد فإنه ينظر إلى أعلى ما يقدر به ذلك الشئ فيعتبر منه أن يبلغ خمسة أمثال ،
وذلك نحو الزعفران ، فإن أعلى مقاديره منا فيعتبر بلوغه خمسة أمناء ، لأن ما زاد على
المن فإنه يضاعف أو ينسب إليه فيقال منوان وثلاثة ونصف من وربع من ، ويعتبر في
القطن خمسة أحمال لأن الحمل أعلى مقاديره وما زاد فتضعيف له ، وفي العسل خمسة
أفراق لأن الفرق أعلى ما يقدر به . ويحتج لأبي حنيفة في ذلك بقوله تعالى : ( وآتوا حقه
يوم حصاده ) وذلك عائد إلى جميع المذكور ، فهو عموم فيه وإن كان مجملا في المقدار
الواجب ، لأن قوله : ( حقه ) مجمل مفتقر إلى البيان ، وقد ورد البيان في مقدار الواجب
وهو العشر أو نصف العشر . ويحتج فيه بقوله تعالى : ( أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما
أخرجنا لكم من الأرض ) [ البقرة : 267 ] وذلك عام في جميع الخارج ، ويدل عليه قول
النبي صلى الله عليه وسلم ، " فيما سقت السماء والعشر " ولم يفصل بين القليل والكثير . ومن جهة النظر
اتفاق الجميع على سقوط اعتبار الحول فيه ، فوجب أن يسقط اعتبار المقدار كالركاز
والغنائم .
أحكام القرآن — صفحة 17
مساهمون: الجصاص
ص١٧