قوله تعالى : ( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ) . قال ابن عباس ومجاهد :
" نزلت في الجد بن قيس قال ائذن لي ولا تفتني ببنات بني الأصفر فإني مستهتر بالنساء ،
وكان ذلك حين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزاة تبوك " وقال الحسن وقتادة وأبو عبيدة :
" لا تؤثمني بالعصيان في المخالفة التي توجب الفرقة " .
قوله تعالى : ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا ) . روي عن الحسن :
" كل ما يصيبنا من خير وشر فهو مما كتبه في اللوح المحفوظ فليس على ما يتوهمه
الكفار من إهمالنا له من غير أن يرجع أمرنا إلى تدبير ربنا " . وقيل : " لن يصيبنا في عاقبة
أمرنا إلا ما كتب الله لنا من النصر الذي وعدنا " .
قوله تعالى : ( قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم ) صيغته صيغة الأمر والمراد
البيان عن التمكين من الطاعة والمعصية ، كقوله : ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )
[ الكهف : 29 ] . وقيل : معناه الخبر الذي يدخل فيه " إن " للجزاء ، كما قال كثير :
أسيئي بنا أو أحسنت لا ملومة * لدينا ولا مقلية إن تقلت
ومعناه : إن أحسنت أو أسأت لم تلامي .
قوله تعالى : ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة
الدنيا ) . قيل فيه ثلاثة أوجه : قال ابن عباس وقتادة : " فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم
في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة " ، فكان ذلك عندهما على تقديم
الكلام وتأخيره . وقال الحسن : " ليعذبهم في الزكاة بالإنفاق في سبيل الله " . وقال
آخرون : " يعذبهم بها بالمصائب " . وقيل : " قد يكون صفة الكفار بالسبي وغنيمة
الأموال " . وهذه " اللام " التي في قوله ( ليعذبهم ) هي لام العاقبة ، كقوله تعالى : ( ليكون
لهم عدوا وحزنا ) [ القصص : 8 ) .
قوله تعالى : ( ويحلفون بالله إنهم لمنكم ) . الحلف تأكيد الخبر بذكر المعظم على
منهاج والله وبالله والحروف الموضوعة للقسم ، وكذلك القسم واليمين ، إلا أن الحلف
من إضافة الخبر إلى المعظم ، وقوله : ( ويحلفون بالله ) إخبار عنهم باليمين بالله ، وجائز
أن يكون أراد الخبر عن المستقبل في أنهم سيحلفون بالله . وقول القائل : أحلف بالله ، هو
يمين بمنزلته لو حذف ذكر الحلف وقال بالله ، لأنه بمنزلة قوله : " أنا حالف بالله " إلا أن
يريد به العدة فلا يكون يمينا ، فهو ينصرف على المعنى ، والظاهر منه إيقاع الحلف بهذا
القول كقولك " أنا أعتقد الاسلام " ويحتمل العدة . وأما قوله " بالله " فهو إيقاع لليمين وإن
كان فيه إضمار " أحلف بالله " أو " قد حلفت بالله " . وقيل : إنما حذف ذكر الحلف ليدل
أحكام القرآن — صفحة 156
مساهمون: الجصاص
ص١٥٦