يحتمله اللفظ ، فالواجب أن يعمها ، إذ لم تقم دلالة التخصيص .
وقوله : ( وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) فأوجب فرض الجهاد بالمال
والنفس جميعا ، فمن كان له مال وهو مريض أو مقعد أو ضعيف لا يصلح للقتال فعليه
الجهاد بماله بأن يعطيه غيره فيغزو به ، كما أن من له قوة وجلد وأمكنه الجهاد بنفسه كان
عليه الجهاد بنفسه وإن لم يكن ذا مال ويسار بعد أن يجد ما يبلغه ، ومن قوي على القتال
وله مال فعليه الجهاد بالنفس والمال ، ومن كان عاجزا بنفسه معدما فعليه الجهاد بالنصح
لله ولرسوله بقوله : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما
ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ) .
وقوله تعالى : ( ذلكم خير لكم ) ، مع أنه لا خير في ترك الجهاد قيل فيه وجهان ،
أحدهما : خير من تركه إلى المباح في الحال التي لا يتعين عليه فرض الجهاد ، والآخر :
أن الخير فيه لا في تركه .
وقوله تعالى : ( إن كنتم تعلمون ) ، قيل فيه : إن كنتم تعلمون الخير في الجملة فاعلموا
أن هذا خير ، وقيل : إن كنتم تعلمون صدق الله فيما وعد به من ثوابه وجنته .
قوله تعالى : ( وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم ) الآية . لما أكذبهم الله
في قوله : ( لو استطعنا لخرجنا معكم ) دل على أنهم كانوا مستطيعين ولم يخرجوا .
وهذا يدل على بطلان مذهب الجبر في أن المكلفين غير مستطيعين لما كلفوا في حال
التكليف قبل وقوع الفعل منهم ، لأن الله تعالى قد أكذبهم في نفيهم الاستطاعة عن أنفسهم
قبل الخروج . وفيه دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر أنهم سيحلفون ، فجاؤوا
فحلفوا كما أخبر أنه سيكون منهم .
قوله تعالى : ( عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا ) . العفو
ينصرف عن وجوه ، أحدها : التسهيل والتوسعة ، كقوله صلى الله عليه وسلم : " أول الوقت رضوان الله
وآخره عفو الله " . والعفو الترك ، كقوله صلى الله عليه وسلم : " احفوا الشوارب واعفوا اللحى " ، والعفو
الكثرة ، كقوله تعالى : ( حتى عفوا ) [ الأعراف : 95 ] يعني : كثروا ، وأعفيت فلانا من
كذا وكذا إذا سهلت له تركه ، والعفو الصفح عن الذنب ، وهو إعفاؤه من تبعته وترك
العقاب عليه ، وهو مثل الغفران في هذا الموضع ، وجائز أن يكون أصله التسهيل ، فإذا
عفا عن ذنبه فلم يستقص عليه وسهل عليه الأمر ، وكذلك سائر الوجوه التي تنصرف
عليها هذه الكلمة يجوز أن يكون أصلها الترك والتوسعة . ومن الناس من يقول : إنه قد
كان من النبي صلى الله عليه وسلم ذنب صغير في إذنه لهم ، ولهذا قال الله تعالى : ( عفا الله عنك لم أذنت
أحكام القرآن — صفحة 151
مساهمون: الجصاص
ص١٥١