عرفة ، ويحتمل أن يكون يوم النحر لأن فيه تمام قضاء المناسك والتفث ، ويحتمل أيام
منى على ما روي عن مجاهد ، وخصه بالأكبر لأنه مخصوص بفعل الحج فيه دون
العمرة . وقد قيل : إن يوم النحر أولى بأن يكون يوم الحج الأكبر من يوم عرفة ، لأنه اليوم
الذي يجتمع فيه الحج لقضاء المناسك ، وعرفة قد يأتيها بعضهم ليلا وبعضهم نهارا ، وأما
النداء بسورة براءة فجائز أن يكون كان يوم عرفة وجائز يوم النحر .
قال الله تعالى : ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) .
روى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : ( لست عليهم
بمصيطر ) [ الغاشية : 22 ] ، وقوله : ( وما أنت عليهم بجبار ) [ ق : 45 ] ، وقوله تعالى :
( فاعف عنهم واصفح ) [ المائدة : 13 ] ، وقوله تعالى : ( قل للذين آمنوا يغفروا للذين
لا يرجون أيام الله ) [ الجاثية : 14 ] ، قال : " نسخ هذا كله قوله تعالى : ( فاقتلوا
المشركين حيث وجدتموهم ) وقوله تعالى : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم
الآخر ) الآية " . وقال موسى بن عقبة : قد كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يكف عمن لم يقاتله
بقوله تعالى : ( وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ) [ النساء : 90 ] ، ثم
نسخ ذلك بقوله : ( براءة من الله ورسوله ) ، ثم قال : ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا
المشركين ) . قال أبو بكر : عمومه يقتضي قتل سائر المشركين من أهل الكتاب وغيرهم
وأن لا يقبل منهم إلا الاسلام أو السيف ، إلا أنه تعالى خص أهل الكتاب بإقرارهم على
الجزية بقوله تعالى : ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) الآية ، وأخذ
النبي صلى الله عليه وسلم الجزية من مجوس هجر . وقال في حديث علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا بعث سرية قال : " إذا لقيتم المشركين فادعوهم إلى الاسلام فإن
أبوا فادعوهم إلى أداء الجزية فإن فعلوا فخذوا منهم وكفوا عنهم " ، وذلك عموم في سائر
المشركين ، فخصصنا منه من لم يكن من مشركي العرب بالآية ، وصار قوله تعالى :
( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) خاصا في مشركي العرب دون غيرهم . وقوله
تعالى : ( وخذوهم واحصروهم ) يدل على حبسهم بعد الأخذ والاستيناء بقتلهم انتظارا
لإسلامهم ، لأن الحصر هو الحبس . ويدل أيضا على جواز حصر الكفار في حصونهم
ومدنهم إن كان فيهم من لا يجوز قتله من النساء والصبيان وأن يلقوا بالحصار . وقوله
تعالى : ( فاقتلوا المشركين ) يقتضي عمومه جواز قتلهم على سائر وجوه القتل ، إلا أن
السنة قد وردت بالنهي عن المثلة وعن قتل الصبر بالنبل ونحوه ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أعف
الناس قتلة أهل الإيمان " ، وقال : " إذا قتلتم فأحسنوا القتلة " . وجائز أن يكون أبو بكر
الصديق رضي الله عنه حين قتل أهل الردة بالإحراق والحجارة والرمي من رؤوس الجبال
أحكام القرآن — صفحة 105
مساهمون: الجصاص
ص١٠٥