فإن قيل : لم جعلت هذا التأويل أولى من تأويل سعيد بن جبير وغيره الذي ذكرت
مع احتمال الآية للتأويلات كلها ؟ قيل له : ليس يمتنع أن يكون المراد المعنيين جميعا
لاحتمال اللفظ لهما وليسا متنافيين فهو عليهما جميعا ، ومع ذلك فإن ابن عباس وعائشة
قد قالا إن الآية نزلت في ذلك ، وذلك لا يقال بالرأي وإنما يقال توقيفا فهو أولى لأنهما
ذكرا سبب نزولها والقصة التي نزلت فيها ، فهو أولى .
فإن قيل : يجوز أن يكون المراد الجد . قيل له : إنما ذكرا أنها نزلت في اليتيمة التي
في حجره ويرغب في نكاحها ، والجد لا يجوز له نكاحها ، فعلمنا أن المراد ابن العم
ومن هو أبعد منه من سائر الأولياء .
فإن قيل : إن الآية إنما هي في الكبيرة ، لأن عائشة قالت : إن الناس استفتوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله تعالى : ( ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم
فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء ) [ النساء : 127 ] ، يعني قوله : ( وإن
خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ) قال : فلما قال : ( في يتامى النساء ) [ النساء : 127 ] دل
على أن المراد الكبار منهن دون الصغار لأن الصغار لا يسمين نساء . قيل له : هذا غلط
من وجهين ، أحدهما : أن قوله : ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ) حقيقته تقتضي
اللاتي لم يبلغن ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يتم بعد بلوغ الحلم " ، ولا يجوز صرف الكلام عن
حقيقته إلى المجاز إلا بدلالة ، والكبيرة تسمى يتيمة على وجه المجاز ، وقوله تعالى :
( في يتامى النساء ) [ النساء : 127 ] لا دلالة فيه على ما ذكرت ، لأنهن إذا كن من جنس
النساء جازت إضافتهن إليهن ، وقد قال الله تعالى : ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء )
والصغار والكبار داخلات فيهن ، وقال : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء )
[ النساء : 22 ] ، والصغار والكبار مرادات به ، وقال : ( وأمهات نسائكم ) [ النساء : 23 ] ،
ولو تزوج صغيرة حرمت عليه أمها تحريما مؤبدا ، فليس إذا في إضافة اليتامى إلى النساء
دلالة على أنهن الكبار دون الصغار . والوجه الآخر : أن هذا التأويل الذي ذكره ابن عباس
وعائشة لا يصح في الكبار ، لأن الكبيرة إذا رضيت بأن يتزوجها بأقل من مهر مثلها جاز
النكاح ، وليس لأحد أن يعترض عليها ، فعلمنا أن المراد الصغار اللاتي يتصرف عليهن
في التزويج من هن في حجره . ويدل عليه ما روى محمد بن إسحاق قال : أخبرني
عبد الله بن أبي بكر بن حزم وعبد الله بن الحارث ومن لا أتهم عن عبد الله بن شداد قال :
كان الذي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة ابنها سلمة ، فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت حمزة وهما
صبيان صغيران فلم يجتمعا حتى ماتا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل جزيت سلمة بتزويجه
إياي أمه ؟ " ، وفيه الدلالة على ما ذكرنا من وجهين ، أحدهما : أنه زوجهما وليس بأب ولا
أحكام القرآن — صفحة 66
مساهمون: الجصاص
ص٦٦