عن عمر قال : " تفقهوا قبل أن تسودوا " . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمعون في
المسجد يتذاكرون حوادث المسائل في الأحكام ، على هذا المنهاج جرى أمر التابعين
ومن بعدهم من الفقهاء إلى يومنا هذا . وإنما أنكر هذا قوم حشو جهال قد حملوا أشياء
من الأخبار لا علم لهم بمعانيها وأحكامها فعجزوا عن الكلام فيها واستنباط فقهها ، وقد
قال النبي صلى الله عليه وسلم : " رب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه " . وهذه
الطائفة المنكرة لذلك كمن قال تعالى الله تعالى : ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها
كمثل الحمار يحمل أسفارا ) [ الجمعة : 5 ] .
وقوله تعالى : ( إن تبد لكم تسؤكم ) معناه : إن تظهر لكم ، وهذا يدل على أن
مراده فيمن سأل مثل سؤال عبد الله بن حذافة والرجل الذي قال أين أنا ، لأن إظهار
أحكام الحوادث لا يسوء السائلين ، لأنهم إنما يسألون عنها ليعلموا أحكام الله تعالى
فيها . ثم قال الله تعالى : ( وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) يعني : في حال
نزول الملك وتلاوته القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يظهرها لكم وذلك مما يسوؤكم
ويضركم .
وقوله تعالى : ( عفا الله عنها ) يعني هذا الضرب من المسائل لم يؤاخذكم الله بها
بالبحث عنها والكشف عن حقائقها . والعفو في هذا الموضوع التسهيل والتوسعة في إباحة
ترك السؤال عنها ، كما قال تعالى : ( فتاب عليكم وعفا عنكم ) [ البقرة : 187 ] ومعناه :
سهل عليكم . وقال ابن عباس : " الحلال ما أحل الله ، والحرام ما حرم الله ، وما سكت
عنه فهو عفو " يعني تسهيل وتوسعة ، ومثله قول النبي صلى الله عليه وسلم : " عفوت لكم عن صدقة الخيل
والرقيق " .
قوله تعالى : ( قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ) قال ابن عباس :
" قوم عيسى عليه السلام سألوا المائدة ثم كفروا بها " . وقال غيره : " قوم صالح سألوا
الناقة ثم عقروها وكفروا بها " . وقال السدي : " هذا حين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يحول لهم
الصفا ذهبا " . وقيل إن قوما سألوا نبيهم عن مثل هذه الأشياء التي سأل عبد الله بن حذافة
ومن قال أين أنا ، فلما أخبرهم به نبيهم ساءهم فكذبوا به وكفروا .
قوله تعالى : ( ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ) روى الزهري
عن سعيد بن المسيب قال : " البحيرة من الإبل يمنع درها للطواغيت ، والسائبة من الإبل
كانوا يسيبونها لطواغيتهم ، والوصيلة كانت الناقة تبكر بالأنثى ثم تثنى بالأنثى فيسمونها
الوصيلة يقولون وصلت اثنتين ليس بينهما ذكر ، فكانوا يذبحونها لطواغيتهم ، والحامي
الفحل من الإبل كان يضرب الضراب المعدود فإذا بلغ ذلك يقال حمى ظهره فيترك
أحكام القرآن — صفحة 607
مساهمون: الجصاص
ص٦٠٧