يا رسول الله إنما سرق ! قال : " اقطعوه ! " ثم أتي به الخامسة ، فقال : " اقتلوه ! " قال جابر :
فانطلقنا به فقتلناه . ورواه أبو معشر عن مصعب بن ثابت بإسناد مثله ، وزاد : خرجنا به
إلى مربد النعم ، فحملنا عليه النعم ، فأشار بيده ورجليه فنفرت الإبل عنه ، فلقيناه
بالحجارة حتى قتلناه . ورواه يزيد بن سنان حدثني هشام بن عروة عن محمد بن المنكدر
عن جابر قال : " أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق فقطع يده ، ثم أتي به قد سرق فقطع رجله ، ثم
أتي به قد سرق فأمر بقتله " ، ورواه حماد بن سلمة عن يوسف بن سعد عن الحارث بن
حاطب : أن رجلا سرق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقتلوه ! " فقال
القوم : إنما سرق ! فقال : " اقطعوه ! " فقطعوه ، ثم سرق على عهد أبي بكر الصديق
فقطعه ، ثم سرق فقطعه ، حتى قطعت قوائمه كلها ، ثم سرق الخامسة فقال أبو بكر : كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم به حين أمر بقتله ، فأمر به فقتل . والذي ذكرناه من حديث مصعب بن
ثابت هو أصل الحديث الذي رواه حماد بن أبي حميد ، وفيه الأمر بقتله بديا ، ومعلوم أن
السرقة لا يستحق بها القتل ، فثبت أن قطع هذه الأعضاء لم يكن على وجه الحد المستحق
بالسرقة وإنما كان على جهة تغليظ العقوبة والمثلة ، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة
العرنيين أنه قطع أيديهم وأرجلهم وسملهم ، وليس السمل حدا في قطاع الطريق ، فلما
نسخت المثلة نسخ بها هذا الضرب من العقوبة ، فوجب الاقتصار على اليد والرجل لا
غير . ويدل على أن قطع الأربع كان على وجه المثلة لا على جهة الحد أن في حديث
جابر أنهم حملوا عليه النعم ثم قتلوه بالحجارة ، وذلك لا يكون حدا في السرقة بوجه .
باب مالا يقطع فيه
قال أبو بكر : عموم قوله : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) يوجب قطع كل
من تناول الاسم في سائر الأشياء ، لأنه عموم في هذا الوجه وإن كان مجملا في المقدار ،
إلا أنه قد قامت الدلالة من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وقول السلف واتفاق فقهاء الأمصار على أنه
لم يرد به العموم ، وأن كثيرا مما يسمى آخذه سارقا لا قطع فيه . واختلف الفقهاء في
أشياء منه .
ذكر الاختلاف في ذلك
قال أبو حنيفة ومحمد : " لا قطع في كل ما يسرع إليه الفساد ، نحو الرطب والعنب
والفواكه الرطبة واللحم والطعام الذي لا يبقى ولا في الثمر المعلق والحنطة في سنبلها ،
سواء كان لها حافظ أو لم يكن . ولا قطع في شئ من الخشب إلا الساج والقنا . ولا قطع
في الطين والنورة والجص والزرنيخ ونحوه . ولا قطع في شئ من الطير . ويقطع في
أحكام القرآن — صفحة 530
مساهمون: الجصاص
ص٥٣٠