ويدل عليه أيضا أن الكفن يبدأ به على الديون ، فإذا لم يملك الوارث ما يقضي به الديون
فهو أن لا يملك الكفن أولى ، وإذا لم يملكه الوارث واستحال أن يكون الميت مالكا
وجب أن لا يقطع سارقه كما لا يقطع سارق بيت المال وأخذ الأشياء المباحة التي لا
مالك لها .
فإن قال قائل : جواز خصومة الوارث في المطالبة بالكفن دليل على أنه ملكه . قيل
له : الإمام يطالب بما يسرق من بيت المال ولا يملكه . ووجه آخر ، وهو أن الكفن يجعل
هناك للبلى والتلف لا للقنية والتبقية ، فصار بمنزلة الخبز واللحم والماء الذي هو للإتلاف
لا للتبقية .
فإن قال قائل : القبر حرز للكفن ، لما روى عبادة بن الصامت عن أبي ذر قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف أنت إذا أصاب الناس موت يكون البيت فيه بالوصيف ؟ " يعني
القبر . قلت : الله ورسوله أعلم ! قال : " عليك بالصبر ! " . فسمى القبر بيتا . وقال
حماد بن أبي سليمان : " يقطع النباش لأنه دخل على الميت بيته " . وروى مالك عن أبي
الرحال عن أمه عمرة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المختفي والمختفية " . وروت عائشة عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من اختفى ميتا فكأنما قتله " . وقال أهل اللغة : المختفي النباش . قيل
له : إنما سماه بيتا على وجه المجاز ، لأن البيت موضوع في لغة العرب لما كان مبنيا
ظاهرا على وجه الأرض ، وإنما سمي القبر بيتا تشبيها بالبيت المبني ، ومع ذلك فإن قطع
السارق ليس معلقا بكونه سارقا من بيت إلا أن يكون ذلك البيت مبنيا ليحرز به ما يجعل
فيه ، وقد بينا أن القبر ليس بحرز ، ألا ترى أن المسجد يسمى بيتا ، قال الله تعالى : ( في
بيوت أذن الله أن يرفع ويذكر فيها اسمه ) [ النور : 36 ] ولو سرق من المسجد لم يقطع إذا
لم يكن له حافظ ؟ وأيضا فلا خلاف أنه لو كان في القبر دراهم مدفونة فسرقها لم يقطع
وإن كان بيتا ، فعلمنا أن قطع السرقة غير متعلق بكونه بيتا . وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم :
" لعن الله المختفي " وما روي أنه قال : " من اختفى ميتا فكأنما قتله " فإن هذا إنما هو لعن
له ، واستحقاق اللعن ليس بدليل على وجوب القطع ، لأن الغاصب والكاذب والظالم كل
هؤلاء يستحقون اللعن ولا يجب قطعهم ، وقوله : " من اختفى ميتا فكأنما قتله " فإنه لم
يوجب به قطعا وإنما جعله كالقاتل ، وإن كان معناه محمولا على حقيقة لفظه فواجب أن
نقتله ، وهذا لا خلاف فيه ، ولا تعلق لذلك بالقطع .
باب من أين يقطع السارق
قال الله تعالى : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) واسم اليد يقع على هذا
العضو إلى المنكب ، والدليل عليه أن عمارا تيمم إلى المنكب بقوله تعالى : ( فامسحوا
أحكام القرآن — صفحة 525
مساهمون: الجصاص
ص٥٢٥