في صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ، أحدها : وقوع الأمنة مع استعلاء العدو من غير مدد
أتاهم ولا نكاية في العدو ولا انصرافهم عنهم ولا قلة عددهم ، فينزل الله تعالى على
قلوبهم الأمنة ، وذلك في أهل الإيمان واليقين خاصة . والثاني : وقوع النعاس عليهم في
مثل تلك الحال التي يطير في مثلها النعاس عمن شاهدها بعد الانصراف والرجوع ، فكيف
في حال المشاهدة وقصد العدو نحوهم لاستيصالهم وقتلهم ! . والثالث : تمييز المؤمنين
من المنافقين حتى خص المؤمنين بتلك الأمنة والنعاس دون المنافقين ، فكان المؤمنون
في غاية الأمن والطمأنينة والمنافقون في غاية الهلع والخوف والقلق والاضطراب ،
فسبحان الله العزيز العليم الذي لا يضيع أجر المحسنين .
قوله تعالى : ( فبما رحمة من الله لنت لهم ) ، قيل : إن " ما " ههنا صلة ، معناه :
فبرحمة من الله ، روي ذلك عن قتادة ، كما قال : ( عما قليل ليصبحن نادمين )
[ المؤمنون : 40 ] وقوله تعالى : ( فبما نقضهم ميثاقهم ) [ النساء : 155 ] . واتفق أهل
اللغة على ذلك ، وقالوا : معناها التأكيد وحسن النظم ، كما قال الأعشى :
فاذهبي ما إليك أدركني الحلم * عداني عن هيجكم إشفاقي
وفي ذلك دليل على بطلان قول من نفى أن يكون في القرآن مجاز ، لأن ذكر " ما "
ههنا مجاز وإسقاطها لا يغير المعنى .
قوله تعالى : ( ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ) . يدل على وجوب
استعمال اللين والرفق وترك الفظاظة والغلظة في الدعاء إلى الله تعالى ، كما قال تعالى :
( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن [ النحل :
125 ] وقوله تعالى لموسى وهارون : ( فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) [ طه :
44 ] .
قوله تعالى : ( وشاورهم في الأمر ) . اختلف الناس في معنى أمر الله تعالى إياه
بالمشاورة مع استغنائه بالوحي عن تعرف صواب الرأي من الصحابة ، فقال قتادة
والربيع بن أنس ومحمد بن إسحاق : " إنما أمره بها تطييبا لنفوسهم ورفعا من أقدارهم ،
إذ كانوا ممن يوثق بقوله ويرجع إلى رأيه " . وقال سفيان بن عيينة : " أمره بالمشاورة
لتقتدي به أمته فيها ولا تراها منقصة كما مدحهم الله تعالى بأن أمرهم شورى بينهم " .
وقال الحسن والضحاك : " جمع لهم بذلك الأمرين جميعا ، في المشاورة ليكون لإجلال
أحكام القرآن — صفحة 51
مساهمون: الجصاص
ص٥١