عليهم والتعجب من جهلهم ، وقد يقال على المجاز " قاتله الله " بمعنى أن عداوته لهم
كعداوة المقاتل المستعلى عليهم بالاقتدار وعظم السلطان .
قوله تعالى : ( قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي ) هذا مجاز ، لأن الانسان لا
يملك نفسه ولا أخاه الحر على الحقيقة ، وذلك لأن أصل الملك القدرة ومحال أن يقدر
الانسان على نفسه أو على أخيه ، ثم أطلق اسم الملك على التصرف فجعل المملوك في
حكم المقدور عليه ، إذ كان له أن يصرفه تصرف المقدور عليه ، وإنما معناه ههنا أنه
يملك تصريف نفسه في طاعة الله ، وأطلقه على أخيه أيضا إذ كان يتصرف بأمره وينتهي
إلى قوله ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما أحد أمن علي بنفسه وذات يده من أبي بكر " فبكى أبو بكر
وقال : هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله ! يعني أني متصرف حيث صرفتني وأمرك جائز
في مالي . وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل : " أنت ومالك لأبيك " ولم يرد به حقيقة الملك .
قوله تعالى : ( فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ) قال أكثر أهل
العلم : " هو تحريم منع لأنهم كانوا يصبحون بحيث أمسوا ومقدار الموضع ستة فراسخ " .
وقال بعض أهل العلم : يجوز أن يكون تحريم التعبد ، لأن التحريم أصله المنع قال الله
تعالى : ( وحرمنا عليه المراضع من قبل ) [ القصص : 12 ] يعني به المنع ، قال الشاعر
يصف فرسا :
حالت لتصرعني فقلت لها اقصري * إني امرؤ صرعي عليك حرام
يعني : إني فارس لا يمكنك صرعي . فهذا هو أصل التحريم ، ثم أجرى تحريم
التعبد عليه لأن الله تعالى قد منعه بذلك حكما وصار المحرم بمنزلة الممنوع ، إذ كان من
حكم الله فيه أن لا يقع كما لا يقع الممنوع منه ، وقوله تعالى : ( حرمت عليكم الميتة
والدم ) [ المائدة : 3 ] ونحوهما تحريم حكم وتعبد لا تحريم منع في الحقيقة . ويستحيل
اجتماع تحريم المنع وتحريم التعبد في شئ واحد ، لأن الممنوع لا يجوز حظره ولا
إباحته إذ هو غير مقدور عليه ، والحظر والإباحة يتعلق بأفعالنا ، ولا يكون فعل لنا إلا وقد
كان قبل وقوعه منا مقدورا لنا .
قوله تعالى : ( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا ) . قال ابن عباس
وعبد الله بن عمر ومجاهد وقتادة : " كان ابني آدم لصلبه هابيل وقابيل ، وكان هابيل مؤمنا
وقابيل كافرا " ، وقيل بل كان رجل سوء . وقال الحسن : هما من بني إسرائيل ، لأن علامة
تقبل القربان لم يكن قبل ذلك " . والقربان ما يقصد به القرب من رحمة الله تعالى من
أعمال البر ، وهو " فعلان " من القرب كالفرقان من الفرق ، والعدوان من العدو ، والكفران
أحكام القرآن — صفحة 501
مساهمون: الجصاص
ص٥٠١