الصلاة ، كما حكي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، فلما ألزمته استعمال الماء عند وجوده
بعد التيمم قبل الدخول في الصلاة مع سقوط فرض الطلب ، ثبت أن سقوط فرض الطلب
ليس بعلة لجواز ترك استعمال الماء عند وجوده . وأيضا قد اتفقوا جميعا أن الصغيرة لو
اعتدت شهرا ثم حاضت انتقلت عدتها إلى الحيض ، لأن الشهور بدل من الحيض ، وإنما
تكون عدة عند عدمه ، كما أن التيمم طهور عند عدم الماء ، فلما اتفقوا على استواء
حالهما قبل وجوب العدة وبعده في كون الحيض عدة عند وجوده ، وجب أن يستوي
حكم وجود الماء بعد الدخول في الصلاة وقبله . وأيضا لما كان التيمم بدلا من الماء لم
يجز أن يبقى حكمه مع وجود المبدل عنه ، كسائر الأبدال لا يثبت حكمها مع وجود
الأصل .
فإن قيل : فلو أن متمتعا وجد الهدي بعد صوم الثلاثة الأيام وبعد الإحلال ، جاز له
أن يصوم السبعة مع وجود الأصل . قيل له : الثلاثة بدل من الهدي لأن بها يقع الإحلال ،
وليست السبعة بدلا من الهدي لأن الإحلال يكون قبل السبعة .
فإن قيل : ليست حال الصلاة حال للطهارة فلا يلزمه استعمال الماء . قيل له :
فينبغي أن لا يلزمه غسل الرجلين بخروج وقت المسح وهو في الصلاة ، وأن لا يلزم
المستحاضة الوضوء بانقطاع الدم في الصلاة ، وأن لا تلزمها الطهارة لو أحدث فيها لهذه
العلة . فإن احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم : " فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا " ، قيل له : لم
يقل ذلك ابتداء بل بكلام متصل به ، وهو أنه قال : " إذا وجد أحدكم حركة في دبره فلا
ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا " ، وقال : " إن الشيطان يخيل إلى أحدكم أنه قد
أحدث ، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا " ، وقال في بعض الألفاظ : " لا وضوء
إلا من صوت أو ريح " . فأما ابتداء قول منه : " فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد
ريحا " . فإن ذلك لم ينقل ولم يروه أحد . وإذا كان كذلك فإنما هو في الشاك في
الحدث ، فلم يصح أن نجعله في غيره ممن لم يشك ووجد الماء . وعلى أن قوله : " لا
وضوء إلا من صوت أو ريح " يقتضي ظاهره إيجاب الوضوء بوجود الماء ، لأن الحدث
الذي عنه وجبت الطهارة باق لم يرتفع بالتيمم .
مطلب : المجمل لا يصح الايجاب به
فإن قيل : ما تقول لو تيمم ودخل في صلاة العيد أو صلاة الجنازة ثم وجد الماء ؟
قيل له : ينتقض تيممه ولا يجوز له المضي عليها ، وتبطل صلاته إذا أمكنه استعمال الماء
والدخول في الصلاة ، لا فرق بينهما وبين الصلاة المكتوبة . وجواب آخر عما أورده من
الخبر أنه مجمل لا يصح الإيجاب به ، لأنه مفهوم أنه لم يرد به كل صوت أو ريح يوجد
أحكام القرآن — صفحة 483
مساهمون: الجصاص
ص٤٨٣