حنيفة ومحمد زفر : " لا يصلي حتى يقدر على الماء إذا كان في المصر " وهو قول
الثوري والأوزاعي . وقال أبو يوسف والشافعي : " يصلي ويعيد " . والحجة لأبي حنيفة
ومن قال بقوله قوله تعالى : ( إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ) إلى قوله : ( فلم تجدوا ماء
فتيمموا ) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " ومن صلى بغير وضوء ولا
تيمم فقد صلى بغير طهور ، فلا يكون ذلك صلاة ، فلا معنى لأمرنا إياه بأن يفعل ما ليس
بصلاة لأجل أن عليه فرض الصلاة . وقد قال أبو يوسف : " إنه يصلي بالإيماء ثم يعيد "
فلم يعتد به وأمره بالإعادة ، فلو كانت هذه صلاة لما كان مأمورا بالإعادة ، ألا ترى أنه من
لم يقدر على الركوع والسجود صلى بالإيماء ولا يؤمر بالإعادة ؟ فإن قيل : قد يأمره إذا
كان محبوسا في بيت نظيف أن يتيمم ويعيد ، ووجوب الإعادة لم يسقط عنه فعلها
بالتيمم . قيل له : قد روى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة " أنه لا
يتيمم ولا يصلي حتى يخرج " فهذا مستمر على هذا الأصل ، وذكر في الأصل أنه يتيمم
ويصلي ويعيد ، ولم يذكر خلافا . وجائز أن يكون هذا قول أبي يوسف وحده ، فإن كان
قولهم جميعا فوجه هذه الرواية على قول أبي حنيفة أن الصلاة بالتيمم قد تكون صلاة
صحيحة بحال وهو حال عدم الماء أو خوف الضرر ، فلما كان عادما للماء في هذه الحال
جاز له التيمم ، وكان القياس أن يكون كالمسافر إذا كان الماء منه قريبا وخاف السبع أو
اللصوص فيجوز له التيمم ولا يعيد ، فهذا هو القياس ، إلا أنه ترك القياس وأمره بالإعادة
وفرق بين حال السفر والحضر لأن الماء موجود في الحضر ، وإنما وقع المنع بفعل آدمي
وفعل الآدمي في مثله لا يسقط الفرض ، ألا ترى أنه لو منعه رجل مكرها من فعل الصلاة
أصلا أو من فعلها بركوع وسجود وصلى بالإيماء أنه يعيد ؟ ولو كان المنع من فعل الله
تعالى بإغماء ونحوه سقط عنه الفرض ، ولو كان مريضا سقط عنه فعل الركوع إلى
الإيماء ، فاختلف حكم المنع إذا كان بفعل الله أو بفعل الآدمي . فكذلك حال الحضر ،
لما كانت حال وجود الماء لم يسقط فرض استعماله بمنع الآدمي منه ، فأمره بالتيمم
وإعادتها بالماء ، وعلى الرواية الأولى لم يأمره بفعلها ، لأنه لا يعتد بها فلا معنى للأمر
بها .
فإن قيل : فأنت تأمر المحرم الذي لا شعر على رأسه وأراد الإحلال أن يمر الموسى
على رأسه متشابها بالحالقين وإن لم يحلق ، فهلا أمرت المحبوس الذي لا يقدر على
الماء والتراب أن يصلي متشابها بالمصلين وإن لم يكن مصليا ! وكما تأمر الأخرس
بتحريك لسانه بالتلبية استحبابا وإن لم يكن ملبيا ! قيل له : الفصل بينهما أن أفعال
المناسك قد ينوب عنه الغير فيها في حال فيصير حكم فعله كفعله ، فجاز أن ينوب عن
الحلق إمرار الموسى على رأسه كما يفعله الغير عنه فيجزي وكذلك تلبية الغير قد تنوب
أحكام القرآن — صفحة 477
مساهمون: الجصاص
ص٤٧٧