الكتاب من قوله تعالى : ( أو لامستم النساء ) وحقيقته هو اللمس باليد وبغيرها من
الجسد . قيل له : في الآية نص على أحد المعنيين ، بل فيها احتمال لكل واحد
منهما ، ولأجل ذلك اختلفوا في معناها وسوغوا الاجتهاد في طلب المراد بها ، فليس إذا
فيها توقيف في إيجاب الوضوء مع عموم الحاجة إليه . وأيضا اللمس يحتمل الجماع على
ما تأوله علي وابن عباس وأبو موسى ، ويحتمل اللمس باليد على ما روي عن عمر وابن
مسعود ، فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ ، أبان ذلك عن
مراد الله تعالى . ووجه آخر يدل على أن المراد منه الجماع ، وهو أن اللمس وإن كان
حقيقة للمس باليد فإنه لما كان مضافا إلى النساء وجب أن يكون المراد منه الوطء ، كما
أن الوطء حقيقته المشي بالأقدام فإذا أضيف إلى النساء لم يعقل منه غير الجماع ، كذلك
هذا ، ونظيره قوله تعالى : ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ) [ البقرة : 237 ] يعني :
من قبل أن تجامعوهن . وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الجنب بالتيمم في أخبار مستفيضة ،
ومتى ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم حكم ينتظمه لفظ الآية وجب أن يكون فعله إنما صدر عن
الكتاب ، كما أنه لما قطع السارق وكان في الكتاب لفظ يقتضيه كان قطعه معقولا بالآية ،
وكسائر الشرائع التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم مما ينطوي عليه ظاهر الكتاب . وإذا ثبت أن المراد
باللمس الجماع انتفى منه مس اليد من وجوه ، أحدها : اتفاق السلف من الصدر الأول أن
المراد أحدهما ، لأن عليا وابن عباس وأبو موسى لما تأولوه على الجماع لم يوجبوا نقض
الطهارة بلمس اليد ، وعمر وابن مسعود لما تأولاه على اللمس لم يجيزا للجنب التيمم ،
فاتفق الجميع منهم على أن المراد أحدهما . ومن قال إن المراد هما جميعا ، فقد خرج
عن اتفاقهم وخالف إجماعهم في أن المراد أحدهما . وما روي عن ابن عمر أن قبلة
الرجل لامرأته من الملامسة ، فلا دلالة فيه على أنه كان يرى المعنيين جميعا مرادين
بالآية ، بل كان مذهبه في ذلك مذهب عمر وابن مسعود ، فبين في هذا الخبر بأن اللمس
ليس بمقصور على اليد وإنما يكون أيضا بالقبلة وبغيره من المعانقة والمضاجعة ونحوها .
ووجه آخر يدل على أنه لا يجوز أن يرادا جميعا بالآية ، وهو أن اللمس باليد إنما يوجب
الوضوء عند مخالفينا ، والجماع يوجب الغسل ، وغير جائز أن يتعلق بعموم واحد حكمان
مختلفان فيما انتظمه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( والسارق والسارقة ) [ المائدة : 38 ] لما
كان لفظ عموم لم يجز أن ينتظم السارقين لا يقطع أحدهما إلا في عشرة ويقطع الآخر في
خمسة ؟ وإذا ثبت أن الجماع مراد بما وصفنا وهو يوجب الغسل انتفى دخول اللمس باليد
فيه .
فإن قيل : لم يختلف حكم موجب اللفظ في إرادته الجماع واللمس باليد ، لأن
الواجب فيهما التيمم المذكور في الآية . قيل له : التيمم بدل والأصل هو الطهارة بالماء ،
أحكام القرآن — صفحة 464
مساهمون: الجصاص
ص٤٦٤