ممسوحة غير مغسولة . قيل له : فهذا يوجب أن لا يكون الغسل مرادا ، ولا خلاف أنه إذا
غسل فقد فعل المفروض ، ولم تختلف الأمة أيضا في نقل الغسل عن النبي صلى الله عليه وسلم . وأيضا
فإن غسل البدن كله يسقط في الجنابة إلى التيمم عند عدم الماء ، وقام التيمم في هذين
العضوين مقام غسل سائر الأعضاء ، كذلك جائز أن يقوم مقام غسل الرجلين وإن لم
يجب التيمم فيها .
فصل
وقد اختلف في الكعبين ما هما ، فقال جمهور أصحابنا وسائر أهل العلم : " هما
الناتئان بين مفصل القدم والساق " . وحكى هشام عن محمد : " أنه مفصل القدم الذي يقع
عليه عقد الشراك على ظهر القدم " . والصحيح هو الأول ، لأن الله تعالى قال : ( وأرجلكم
إلى الكعبين ) فدل ذلك أن في كل رجل كعبين ، ولو كان في كل رجل كعب واحد
لقال : إلى الكعاب ، كما قال تعالى : ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ) [ التحريم :
4 ] لما كان لكل واحد قلب واحد أضافهما إليهما بلفظ الجمع ، فلما أضافهما إلى
الأرجل بلفظ التثنية دل على أن في كل رجل كعبين .
مطلب : فيما استدل به المصنف من الحديث على المراد بالكعبين
ويدل عليه أيضا ما حدثنا من لا أتهم قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه
قال : حدثنا إسحاق بن راهويه قال : حدثنا الفضل بن موسى عن يزيد بن زياد بن أبي
الجعد عن جامع بن شداد عن طارق بن عبد الله المحاربي قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في
سوق ذي المجاز وعليه جبة حمراء وهو يقول : " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا "
ورجل يتبعه ويرميه بالحجارة وقد أدمى عرقوبيه وكعبيه ، وهو يقول : يا أيها الناس لا
تطيعوه فإنه كذاب ، فقلت : من هذا ؟ فقالوا : ابن عبد المطلب ، قلت : فمن هذا الذي
يتبعه ويرميه بالحجارة ؟ قالوا : هذا عبد العزى أبو لهب . وهذا يدل على أن الكعب هو
العظم الناتئ في جانب القدم ، لأن الرمية إذا كانت من وراء الماشي لا يضرب ظهر
القدم . قال : وحدثنا عبد الله بن محمد بن شيرويه قال : حدثنا إسحاق قال : أخبرنا وكيع
قال : حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن القاسم الجدلي قال : سمعت النعمان بن بشير يقول :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم أو وجوهكم قال :
فلقد رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكب صاحبه . وهذا يدل على
أن الكعب ما وصفنا ، والله أعلم .
أحكام القرآن — صفحة 436
مساهمون: الجصاص
ص٤٣٦