إنه تنام عيناي ولا ينام قلبي لو أحدثت لعلمته " وهذا الحديث يدل على أن النوم في نفسه
ليس بحدث ، وأن إيجاب الوضوء فيه إنما هو لما عسى أن يكون فيه من الحدث الذي لا
يشعر به وهو الغالب من حال النائم . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " العين وكاء السه
فإذا نامت العين استطلق الوكاء " ، فلما كان الأغلب في النوم الذي يستثقل فيه النائم
وجود الحدث فيه ، حكم له بحكم الحدث ، وهذا إنما هو في النوم المعتاد الذي يضع
النائم جنبه على الأرض ويكون في المضطجع من غير علم منه بما يكون منه ، فإذا كان
جالسا أو على حال من أحوال الصلاة لغير ضرورة مثل القيام والركوع والسجود لم
تنتقض طهارته ، لأن هذه أحوال يكون الانسان فيها محتفظا ، وإن كان منه حدث علم به .
وقد روى يزيد بن عبد الرحمن عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال : " ليس على من نام ساجدا وضوء حتى يضطجع فإذا اضطجع استرخت مفاصله " .
فصل
قال أبو بكر : قوله تعالى : ( إذا قمتم إلى الصلاة ) لما كان ضميره ما وصفنا من
القيام من النوم أو إرادة القيام إليها في حال الحدث ، فأوجب ذلك تقديم الطهارة من
الأحداث للصلاة ، وكانت الصلاة اسما للجنس يتناول سائرها من المفروضات والنوافل ،
اقتضى ذلك أن تكون من شرائط صحة الصلاة الطهارة أي صلاة كانت ، إذ لم تفرق الآية
بين شئ منها ، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " .
قوله تعالى : ( فاغسلوا وجوهكم ) يقتضي إيجاب الغسل ، والغسل اسم لإمرار
الماء على الموضع إذا لم تكن هناك نجاسة ، وإذا كان هناك نجاسة فغسلها إزالتها بإمرار
الماء أو ما يقوم مقامه ، فقوله تعالى : ( فاغسلوا وجوهكم ) إنما المقصد فيه إمرار الماء
على الموضع ، إذ ليس هناك نجاسة مشروط إزالتها ، فإذا ليس عليه ذلك الموضع بيده
وإنما عليه إمرار الماء حتى يجري على الموضع . وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أوجه :
فقال مالك بن أنس : " عليه إمرار الماء وذلك الموضع بيده وإلا لم يكن غسلا " . وقال
آخرون ، وهو قول أصحابنا وعامة الفقهاء : " عليه إجراء الماء عليه وليس عليه دلكه
بيده " . وروى هشام عن أبي يوسف : " أنه إن مسح الموضع بالماء كما يسمح بالدهن
أجزأه " . والدليل على بطلان قول موجبي ذلك الموضع أن اسم الغسل يقع على إجراء
الماء على الموضع من غير دلك ، والدليل على ذلك أنه لو كان على بدنه نجاسة فوالى
بين صب الماء عليه حتى أزالها سمي بذلك غاسلا وإن لم يدلكه بيده ، فلما كان الاسم
يقع عليه مع عدم الدلك لأجل إمرار الماء عليه ، وقال الله تعالى : ( فاغسلوا ) ، فهو متى
أجرى الماء على الموضع فقد فعل مقتضى الآية وموجبها ، فمن شرط فيه دلك الموضع
أحكام القرآن — صفحة 418
مساهمون: الجصاص
ص٤١٨