رسول الله صلى الله عليه وسلم مباينته ومعاداته بأن يصير في شق غير الشق الذي هو فيه ، وكذلك قوله
تعالى : ( إن الذين يحادون الله ورسوله ) [ المجادلة : 5 ] هو أن يصير في حد غير حد
الرسول ، وهو يعني مباينته في الاعتقاد والديانة . وقال : ( من بعد ما تبين له الهدى )
تغليظا في الزجر عنه وتقبيحا لحاله وتبيينا للوعيد فيه ، إذ كان معاندا بعد ظهور الآيات
والمعجزات الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم . وقرن اتباع غير سبيل المؤمنين إلى مباينة
الرسول فيما ذكر له من الوعيد ، فدل على صحة إجماع الأمة لإلحاقه الوعيد بمن اتبع
غير سبيلهم .
وقوله : ( نوله ما تولى ) إخبار عن براءة الله منه وأنه يكله إلى ما تولى من الأوثان
واعتضد به ، ولا يتولى الله نصره ومعونته .
قوله تعالى : ( ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ) التبتيك التقطيع ، يقال : بتكه يبتكه
تبتيكا ، والمراد به في هذا الموضع شق أذن البحيرة ، روي ذلك عن قتادة وعكرمة
والسدي .
وقوله : ( ولأمنينهم ) يعني والله أعلم : أنه يمنيهم طول البقاء في الدنيا ونيل نعيمها
ولذاتها ليركنوا إلى ذلك ويحرصوا عليه ويؤثروا الدنيا على الآخرة ، ويأمرهم أن يشقوا
آذان الأنعام ويحرموا على أنفسهم وعلى الناس بذلك أكلها ، وهي البحيرة التي كانت
العرب تحرم أكلها .
وقوله : ( ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) فإنه روي فيه ثلاثة أوجه ، أحدها : عن ابن
عباس رواية إبراهيم ومجاهد والحسن والضحاك والسدي : " دين الله بتحريم الحلال
وتحليل الحرام " ، ويشهد له قوله تعالى : ( لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ) [ الروم :
30 ] . والثاني : ما روي عن أنس وابن عباس رواية شهر بن حوشب وعكرمة وأبي
صالح : " أنه الخصاء " . والثالث : ما روي عن عبد الله والحسن : " أنه الوشم " . وروى
قتادة عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا بإخصاء الدابة ، وعن طاوس وعروة مثله . وروي
عن ابن عمر أنه نهى عن الإخصاء ، وقال : " ما أنهى إلا في الذكور " . وقال ابن عباس :
" إخصاء البهيمة مثله " ثم قرأ : ( ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) . وروى عبد الله بن نافع عن
أبيه عن ابن عمر قال : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إخصاء الجمل " .
قوله تعالى : ( واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا ) هو نظير قوله :
( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ) [ النحل : 123 ] ، وهذا يوجب أن كل ما
ثبت من ملة إبراهيم عليه السلام فعلينا اتباعه .
فإن قيل : فواجب أن تكون شريعة النبي صلى الله عليه وسلم هي شريعة إبراهيم عليه السلام . قيل
أحكام القرآن — صفحة 353
مساهمون: الجصاص
ص٣٥٣