واحدة ، إذ ليس فيه ما يوجب تكرارا ، فمتى فعل الحج فقد قضى عهدة الآية . وقد أكد
ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا زهير بن حرب
وعثمان بن أبي شيبة قالا : حدثنا يزيد بن هارون عن سفيان بن حسين عن الزهري عن
أبي سنان : قال أبو داود - هو الدؤلي - عن ابن عباس : إن الأقرع بن حابس سأل
النبي صلى الله عليه وسلم قال : يا رسول الله الحج في كل سنة أو مرة واحدة ؟ فقال : " بل مرة واحدة فمن
زاد فتطوع " .
قوله تعالى : ( ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ) . روى وكيع عن فطر بن خليفة
عن نفيع أبي داود قال : سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية : ( ومن كفر ) قال : " هو إن
حج لا يرجو ثوابه وإن حبس لا يخاف عقابه " . وروى مجاهد من قوله مثله . وقال
الحسن : " من كفر بالحج " . وقد دلت هذه الآية على بطلان مذهب أهل الجبر ، لأن الله
تعالى جعل من وجد زادا وراحلة مستطيعا للحج قبل فعله ، ومن مذهب هؤلاء أن من لم
يفعل الحج لم يكن مستطيعا له قط ، فواجب على مذهبهم أن يكون معذورا غير ملزم إذا
لم يحج ، إذ كان الله تعالى إنما ألزم الحج من استطاع وهو لم يكن مستطيعا قط إذ لم
يحج ، ففي نص التنزيل واتفاق الأمة على لزوم فرض الحج لمن كان وصفه ما ذكرنا من
صحة البدن ووجود الزاد والراحلة ما يوجب بطلان قولهم .
قوله تعالى : ( قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا
وأنتم شهداء ) . قال زيد بن أسلم : " نزلت في قوم من اليهود كانوا يغرون بين الأوس
والخزرج بذكرهم الحروب التي كانت بينهم حتى ينسلخوا من الدين بالعصبية وحميته
الجاهلية " . وعن الحسن : " أنها نزلت في اليهود والنصارى جميعا في كتمانهم صفته في
كتبهم " .
فإن قيل : قد سمى الله الكفار شهداء وليسوا حجة على غيرهم ، فلا يصح لكم
الإحتجاج بقوله : ( لتكونوا شهداء على الناس ) [ البقرة : 143 ] في صحة إجماع الأمة
وثبوت حجته . قيل له : إنه جل وعلا لم يقل في أهل الكتاب وأنتم شهداء على غيركم ،
وقال هناك : ( لتكونوا شهداء على الناس ) [ البقرة : 143 ] كما قال : ( ويكون الرسول
عليكم شهيدا ) [ البقرة : 143 ] فأوجب ذلك تصديقهم وصحة إجماعهم ، وقال في هذه
الآية : ( وأنتم شهداء ) ومعناه غير معنى قوله : ( شهداء على الناس ) [ البقرة : 143 ] وقد
قيل في معناه وجهان ، أحدهما : ( وأنتم شهداء ) إنكم عالمون ببطلان قولكم في صدكم
عن دين الله تعالى ، وذلك في أهل الكتاب منهم . والثاني : أن يريد بقوله : ( شهداء )
عقلاء ، كما قال الله تعالى : ( أو ألقى السمع وهو شهيد ) [ ق : 37 ] يعني : وهو عاقل ،
أحكام القرآن — صفحة 35
مساهمون: الجصاص
ص٣٥