عروة ، فذكر فيه مقادير الفئ على نحو ما قدمنا . فحديث ابن مسعود يروى على هذين
الوجهين ، فذكر في أحدهما أنه جاءه جبريل عليه السلام حين صار ظل كل شئ مثله
فقال : قم فصل الظهر ، وفي اليوم الثاني جاءه حين صار ظل كل شئ مثليه فقال : قم
فصل العصر . وحديث الزهري عن عروة لم يذكر فيه مقدار الفئ وذكر أنه صلى العصر
في اليوم الأول والشمس بيضاء مرتفعة لم تدخلها صفرة .
وقد رويت أخبار في تعجيل العصر قد يحتج بها من يقول بالمثل ، وفيها احتمال
لما قالوه ولغيره ، فلا تثبت بمثلها حجة في إثبات المثل دون غيره ، إذ لا حجة في
المحتمل ، منها حديث أنس : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر ثم يذهب الذاهب إلى
العوالي فيجدهم لم يصلوا العصر " ، قال الزهري : والعوالي على الميلين والثلاثة . وروى
أبو واقد الليثي قال : حدثنا أبو أروى قال : " كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر بالمدينة ثم
أمشي إلى ذي الحليفة قبل أن تغرب الشمس " . وفي حديث أسامة بن زيد عن الزهري
عن عروة عن بشير بن أبي مسعود عن أبيه قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر
والشمس بيضاء مرتفعة يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة ستة أميال قبل
غروب الشمس " . وروي عن عائشة : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في
حجرتها قبل أن يظهر الفئ " وفي لفظ آخر : " لم يفئ الفئ بعد " . وليس في هذه
الأخبار ذكر تحديد الوقت ، وما ذكر من المضي إلى العوالي وذي الحليفة فليس يمكن
الوقوف منه على مقدار معلوم من الوقت ، لأنه على قدر الإبطاء والسرعة في المشي .
وقد كان شيخنا أبو الحسن رحمه الله تعالى يستدل بقوله صلى الله عليه وسلم : " أبردوا بالظهر فإن شدة
الحر من فيح جهنم " على أن ما بعد المثل وقت للظهر ، لأن الإبراد لا يكون عند المثل بل
أشد ما يكون الحر في الصيف عندما يصير ظل كل شئ مثله . ومن قال بالمثل يجيب
عن ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بالهجير عند الزوال والفئ قليل في ذلك الوقت ، فكان
منهم من يصلي في الشمس أو بالقرب منها ، وكذلك قال خباب : شكونا إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء فلم يشكنا ، ثم قال : " أبردوا بالظهر " فأمرهم أن يصلوها بعدما
يفئ الفئ ، فهذا هو الإبراد المأمور به عند من قال بالمثل .
وأما ما حكي عن مالك أن وقت الظهر والعصر إلى غروب الشمس ، فإنه قول ترده
الأخبار المروية في المواقيت ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في اليومين في حديث ابن عباس وابن
مسعود وجابر وأبي سعيد وأبي موسى وغيرهم في أول الوقت وآخره ، ثم قال : " ما بين
هذين وقت " ، وفي حديث عبد الله بن عمر وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " وقت الظهر ما لم
يحضر وقت العصر " ، وفي بعض ألفاظ حديث أبي هريرة : " وآخر وقت الظهر حين يدخل
أحكام القرآن — صفحة 339
مساهمون: الجصاص
ص٣٣٩