فاسجدوا " ، وقال : " إني امرؤ قد بدنت فلا تبادروني بالركوع ولا بالسجود " . ومن
مذهب المخالف أن الطائفة الأولى تقضي صلاتها وتخرج منها قبل الإمام . وفي الأصول
أن المأموم مأمور بمتابعة الإمام لا يجوز له الخروج منها قبله ، وأيضا جائز أن يلحق
الإمام سهو وسهوه يلزم المأموم ولا يمكن الخارجين من صلاته قبل فراغه أن يسجدوا .
ويخالف هذا القول الأصول من جهة أخرى ، وهي اشتغال المأموم بقضاء صلاته والإمام
قائم أو جالس تارك لأفعال الصلاة ، فيحصل به مخالفة الإمام في الفعل وترك الإمام
لأفعال الصلاة لأجل المأموم ، وذلك ينافي معنى الاقتداء والائتمام ومنع الإمام من
الاشتغال بالصلاة لأجل المأموم ، فهذان وجهان أيضا خارجان من الأصول .
فإن قيل : جائز أن تكون صلاة الخوف مخصوصة بجواز انصراف الطائفة الأولى
قبل الإمام كما جاز المشي فيها . قيل له : المشي له نظير في الأصول ، وهو الراكب
المنهزم يصلي وهو سائر بالاتفاق ، فكان لما ذكرنا أصل متفق عليه ، فجاز أن لا تفسد
صلاة الخوف . وأيضا قد ثبت عندنا أن الذي سبقه الحدث في الصلاة ينصرف ويتوضأ
ويبني ، قد وردت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، روي ابن عباس وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" من قاء أو رعف في صلاته فلينصرف وليتوضأ وليبن على ما مضى من صلاته " ، والرجل
يركع ويمشي إلى الصف فلا تبطل صلاته ، وركع أبو بكر حين دخل المسجد ومشى إلى
الصف ، فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم قال له : " زادك الله حرصا ولا تعد " ولم يأمره باستيناف
الصلاة ، فكان للمشي في الصلاة نظائر في الأصول وليس للخروج من الصلاة قبل فراغ
الإمام نظير ، فلم يجز فعله . وأيضا فإن المشي فيها اتفاق بيننا وبين مالك والشافعي ،
ولما قامت به الدلالة سلمناه لها ، وما عدا ذلك فواجب حمله على موافقة الأصول حتى
تقوم الدلالة على جواز خروجه عنها .
ومما يدل من جهة السنة على ما وصفنا ما حدثنا محمد بن بكر قال : حدثنا أبو
داود قال : حدثنا مسدد قال : حدثنا يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن سالم عن
أبيه : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بإحدى الطائفتين ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو ، ثم
انصرفوا وقاموا في مقام أولئك وجاء أولئك فصلى بهم ركعة أخرى ، ثم سلم عليهم ، ثم
قام هؤلاء فقضوا ركعتهم وقام هؤلاء فقضوا ركعتهم " ، قال أبو داود : وكذلك رواه نافع
وخالد بن معدان عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال أبو داود : وكذلك قول مسروق
أحكام القرآن — صفحة 324
مساهمون: الجصاص
ص٣٢٤