أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا " وفي بعض الألفاظ : " وما فاتكم فاقضوا " ، فأمر النبي
عليه السلام بقضاء الفائت من صلاة الإمام ، والذي فاته أربع ركعات فعليه قضاؤها ،
وأيضا قد صح له الدخول في آخر صلاته ويلزمه سهوه وانتفى عنه سهو نفسه لأجل
إمامه ، كذلك لزمه حكم صلاته في الإتمام . وأيضا لو نوى المسافر الإقامة في هذه الحال
لزمه الإتمام كذلك دخوله مع الإمام ، ويكون دخوله معه في التشهد كدخوله في أولها ،
كما كانت نية الإقامة في التشهد كهي في أولها ، والله أعلم .
فصل
قال أبو بكر : وجميع ما قدمنا في قصر الصلاة للمسافر يدل على أن صلاة سائر
المسافرين ركعتان في أي شئ كان سفرهم من تجارة أو غيرها ، وذلك لأن الآثار
المروية فيه لم تفرق بين شئ من الأسفار . وقد روى الأعمش عن إبراهيم أن رجلا كان
يتجر إلى البحرين ، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : كم أصلي ؟ فقال : " ركعتين " . وعن ابن عباس وابن
عمر : " أنهما خرجا إلى الطائف فقصرا الصلاة " . وروي عن عبد الله بن مسعود قال : " لا
تقصر الصلاة إلا في حج أو جهاد " . وعن عطاء قال : " لا أرى أن يقصر الصلاة إلا من
كان في سبيل الله " .
فإن قيل : لم يقصر النبي صلى الله عليه وسلم إلا في حج أو جهاد . قيل له : لأنه لم يسافر إلا في
حج أو جهاد ، وليس في ذلك دليل على أن القصر مخصوص بالحج والجهاد ، وقول
عمر : " صلاة السفر ركعتان على لسان نبيكم " عموم في سائر الأسفار ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم :
" صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " عام أيضا في سائر الأسفار ، وكذلك قوله
لأهل مكة : " أتموا فإنا قوم سفر " ولم يقل " في حج " دليل على أن حكم القصر عام في
جميع المسافرين . ولما كان ذلك حكما متعلقا بالسفر وجب أن لا يختلف حكم الأسفار
فيه كالمسح على الخفين ثلاثا ، ومن يتأول قوله تعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس
عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) على عدد الركعات يحتج بعمومه في جميع الأسفار
إذا كان خائفا من العدو ، ثم إذا ثبت ذلك في صلاة الخوف إذا كان سفره في غير جهة
القربة وجب مثله في سائر الأسفار ، لأن أحدا لم يفرق بينهما ، وقد بينا أن القصر ليس
هو في عدد الركعات .
والذي ذكرناه في القصر في جميع الأسفار بعد أن يكون السفر ثلاثا هو قول
أصحابنا والثوري والأوزاعي . وقال مالك : " إن خرج إلى الصيد وهو معاشه قصر ، وإن
خرج متلذذا لم أستحب له أن يقصر " . وقال الشافعي : " إذا سافر في معصية لم يقصر ولم
يمسح مسح السفر " . قال أبو بكر : قد بينا أن ذلك في شأن المضطر في سورة البقرة .
أحكام القرآن — صفحة 320
مساهمون: الجصاص
ص٣٢٠