في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ) [ براءة : 122 ] ، فأوجب
الحذر بإنذارهم وألزم المنذرين قبول قولهم ، فجاز من أجل ذلك إطلاق اسم أولي الأمر
عليهم ، والأمراء أيضا يسمون بذلك لنفاذ أمورهم على من يلون عليه .
وقوله تعالى : ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ، فإن الاستنباط هو الاستخراج ،
ومنه استنباط المياه والعيون ، فهو اسم لكل ما استخرج حتى تقع عليه رؤية العيون أو
معرفة القلوب ، والاستنباط في الشرع نظير الاستدلال والاستعلام .
مطلب : فيما دلت عليه هذه الآية من وجوب القول بالقياس
وفي هذه الآية دلالة على وجوب القول بالقياس واجتهاد الرأي في أحكام
الحوادث ، وذلك لأنه أمر برد الحوادث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته إذا كانوا بحضرته وإلى
العلماء بعد وفاته والغيبة عن حضرته صلى الله عليه وسلم ، وهذا لا محالة فيما لا نص فيه ، لأن
المنصوص عليه لا يحتاج إلى استنباطه ، فثبت بذلك أن من أحكام الله ما هو منصوص
عليه ومنها ما هو مودع في النص قد كلفنا الوصول إلى علمه بالاستدلال عليه واستنباطه .
فقد حوت هذه الآية معاني : منها أن في أحكام الحوادث ما ليس بمنصوص عليه بل
مدلول عليه . ومنها أن على العلماء استنباطه والتوصل إلى معرفته برده إلى نظائره من
المنصوص . ومنها أن العامي عليه تقليد العلماء في أحكام الحوادث . ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم
قد كان مكلفا باستنباط الأحكام والاستدلال عليها بدلائلها ، لأنه تعالى أمر بالرد إلى
الرسول وإلى أولي الأمر ، ثم قال : ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ولم يخص أولي
الأمر بذلك دون الرسول ، وفي ذلك دليل على أن للجميع الاستنباط والتوصل إلى معرفة
الحكم بالاستدلال .
فإن قيل : ليس هذا استنباطا في أحكام الحوادث وإنما هو في الأمن والخوف من
العدو ، لقوله تعالى : ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى
الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) فإنما ذلك في شأن الأراجيف
التي كان المنافقون يرجفون بها ، فأمرهم الله بترك العمل بها ورد ذلك إلى الرسول وإلى
الأمراء حتى لا يفتوا في أعضاد المسلمين إن كان شيئا يوجب الخوف ، وإن كان شيئا
يوجب الأمن لئلا يأمنوا فيتركوا الاستعداد للجهاد والحذر من الكفار ، فلا دلالة في ذلك
على جواز الاستنباط في أحكام الحوادث . قيل له : قوله تعالى : ( وإذا جاءهم أمر من
الأمن أو الخوف ) ليس بمقصور على أمر العدو ، لأن الأمن والخوف قد يكونان فيما
أحكام القرآن — صفحة 270
مساهمون: الجصاص
ص٢٧٠