أنه يغسلهما ويتبعهما ويدفنهما ، لأن ذلك من الصحبة بالمعروف التي أمره الله بها .
فإن قال قائل : ما معنى قوله تعالى : ( وبالوالدين إحسانا ) وما ضميره ؟ قيل له :
يحتمل : استوصوا بالوالدين إحسانا ، ويحتمل : وأحسنوا بالوالدين إحسانا .
وقوله تعالى : ( وبذي القربى ) أمر بصلة الرحم والإحسان إلى القرابة ، على نحو
ما ذكره في أول السورة في قوله تعالى : ( والأرحام ) ، فبدأ تعالى في أول الآية بتوحيده
وعبادته ، إذ كان ذلك هو الأصل الذي به يصح سائر الشرائع والنبوات وبحصوله يتوصل
إلى سائر مصالح الدين ، ثم ذكر تعالى ما يجب للأبوين من الإحسان إليهما وقضاء
حقوقهما وتعظيمهما ، ثم ذكر الجار ذا القربى وهو قريبك المؤمن الذي له حق القرابة
وأوجب له الدين الموالاة والنصرة ، ثم ذكر الجار الجنب وهو البعيد منك نسبا إذا كان
مؤمنا فيجتمع حق الجوار وما أوجبه له الدين بعصمة الملة وذمة عقد النحلة . وروي عن
ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك قالوا : " الجار ذو القربى القريب في النسب " . وروي
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الجيران ثلاثة . فجار له ثلاثة حقوق حق الجوار وحق القرابة وحق
الاسلام ، وجار له حقان حق الجوار وحق الاسلام ، وجار له حق الجوار المشرك من أهل
الكتاب " .
وقوله تعالى : ( والصاحب بالجنب ) روي فيه عن ابن عباس في إحدى الروايتين
وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد وقتادة والسدي والضحاك : " أنه الرفيق في السفر " .
وروي عن عبد الله بن مسعود وإبراهيم وابن أبي ليلى : " أنه الزوجة " ، ورواية أخرى عن
ابن عباس : " أنه المنقطع إليك رجاء خيرك " . وقيل : " هو جار البيت دانيا كان نسبه أو
نائيا إذا كان مؤمنا " .
قال أبو بكر : لما كان اللفظ محتملا لجميع ذلك وجب حمله عليه وأن لا يخص
منه شئ بغير دلالة ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما زال جبريل يوصيني بالجار
حتى ظننت أنه سيورثه " . وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن نافع بن جبير بن مطعم عن
أبي شريح الخزاعي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم
جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر
فليقل خيرا أو ليصمت " . وروى عبيد الله الوصافي عن أبي جعفر قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما آمن من أمسى شبعان وأمسي جاره جائعا " . وروى عمر بن هارون
الأنصاري عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أشراط الساعة سوء
أحكام القرآن — صفحة 244
مساهمون: الجصاص
ص٢٤٤