الحلف أشياء قد حظرها الاسلام ، وهو أنه كان يشرط أن يحامي عليه ويبذل دمه دونه
ويهدم ما يهدمه فينصره على الحق والباطل ، وقد أبطلت الشريعة هذا الحلف وأوجبت
معونة المظلوم على الظالم حتى يتنصف منه وأن لا يلتفت إلى قرابة ولا غيرها ، قال الله
تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين
والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ) [ النساء :
135 ] ، فأمر الله تعالى بالعدل والقسط في الأجانب والأقارب وأمر بالتسوية بين الجميع
في حكم الله تعالى ، فأبطل ما كان عليه أمر الجاهلية من معونة القريب والحليف على
غيره ظالما كان أو مظلوما .
مطلب : في معنى قوله عليه السلام : " انصر أخاك ظالما أو مظلوما "
وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : " انصر أخاك ظالما أو مظلوما " قالوا : يا رسول الله هذا يعينه
مظلوما فكيف يعينه ظالما ؟ قال : " أن ترده عن الظلم فذلك معونة منك له " .
وكان في حلف الجاهلية أن يرثه الحليف دون أقربائه فنفى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " لا
حلف في الاسلام " التحالف على النصرة والمحاماة من غير نظر في دين أو حكم وأمر
باتباع أحكام الشريعة دون ما يعقده الحليف على نفسه ، ونفى أيضا أن يكون الحليف
أولى بالميراث من الأقارب ، فهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " لا حلف في الاسلام " . وأما قوله :
" وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الاسلام إلا شدة " فإنه يحتمل أن الاسلام قد زاد
شدة وتغليظا في المنع منه وإبطاله ، فكأنه قال : إذا لم يجز الحلف في الاسلام مع ما فيه
من تناصر المسلمين وتعاونهم فحلف الجاهلية أبعد من ذلك .
قال أبو بكر : وعلي نحو ما ذكرنا من التوارث بالموالاة قال أصحابنا فيمن أوصى
بجميع ماله ولا وارث له إنه جائز ، وقد بينا ذلك فيما سلف ، وذلك لأنه لما جاز له أن
يجعل ميراثه لغيره بعقد الموالاة ويزويه أنه عن بيت المال ، جاز له أن يجعله لمن شاء بعد
موته بالوصية ، إذ كانت الموالاة إنما تثبت بينهما بعقده وإيجابه وله أن ينتقل بولائه ما لم
يعقل عنه ، فأشبهت الوصية التي تثبت بقوله وإيجابه ومتى شاء رجع فيها ، إلا أنها تخالف
الوصية من وجه ، وهو أنه وإن كان يأخذه بقوله فإنه يأخذه على وجه الميراث ، ألا ترى
أنه لو ترك الميت ذا رحم كان أولى بالميراث من مولى الموالاة ؟ ولم يكن في الثلث
بمنزلة من أوصى لرجل بماله فيجوز له منه الثلث بل لا يعطى شيئا إذا كان له وارث من
قرابة أو ولاء عتاقة ، فولاء الموالاة يشبه الوصية بالمال من وجه إذا لم يكن له وارث
ويفارقها من وجه على نحو ما بينا ، والله أعلم .
أحكام القرآن — صفحة 235
مساهمون: الجصاص
ص٢٣٥