الآخر لفعل ، ولأنه لا يمنع من بخل ولا عدم وإنما يمنع ليعطي ما هو أكثر منه . وقد
تضمن ذلك النهي عن الحسد وهو تمني زوال النعمة عن غيره إليه ، وهو مثل ما روى أبو
هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يسوم على سوم
أخيه ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها فإن الله هو رازقها " ، فنهى صلى الله عليه وسلم
أن يخطب على خطبة أخيه إذا كانت قد ركنت إليه ورضيت به ، وأن يسوم على سومه
كذلك ، فما ظنك بمن يتمنى أن يجعل له ما قد صار لغيره وملكه ! وقال : " لا تسأل المرأة
طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها " ، يعني أن تسعى في اسقاط حقها وتحصيله لنفسها .
وروى سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا حسد إلا في
اثنتين : رجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل والنهار ، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم
به آناء الليل والنهار " .
مطلب : التمني على وجهين محظور وغير محظور
قال أبو بكر : والتمني على وجهين ، أحدهما : أن يتمنى الرجل أن تزول نعمة غيره
عنه ، فهذا الحسد وهو التمني المنهي عنه . والآخر : أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره
من غير أن يريد زوال النعمة عن غيره ، فهذا غير محظور إذا قصد به وجه المصلحة ، وما
يجوز في الحكمة . ومن التمني المنهي عنه أن يتمنى ما يستحيل وقوعه ، مثل أن تتمنى
المرأة أن تكون رجلا أو تتمنى حال الخلافة والإمامة ونحوها من الأمور التي قد علم أنها
لا تكون ولا تقع .
وقوله تعالى : ( للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ) قيل فيه
وجوه ، أحدها : أن لكل واحد حظا من الثواب قد عرض له بحسن التدبير في أمره ولطف
له فيه حتى استحقه وبلغ علو المنزلة به ، فلا تتمنوا خلاف هذا التدبير ، فإن لكل منهم
حظه ونصيبه غير مبخوس ولا منقوص . والآخر : إن لكل أحد جزاء ما اكتسب فلا يضيعه
بتمني ما لغيره محبطا لعمله . وقيل فيه : إن لكل فريق من الرجال والنساء نصيبا مما
اكتسب من نعم الدنيا ، فعليه أن يرضى بما قسم الله له .
وقوله تعالى : ( واسألوا الله من فضله قيل فيه : إن معناه إن احتجتم إلى ما
لغيركم فسلوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله ، لا بأن تتمنوا ما لغيركم ، إلا أن هذه
المسألة تعني إن تكن معقودة بشريطة المصلحة ، والله تعالى أعلم بالصواب .
باب العصبة
قال الله تعالى : ( ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون ) . قال ابن عباس
أحكام القرآن — صفحة 230
مساهمون: الجصاص
ص٢٣٠