ظاهر الآية والآثار التي ذكرنا أن يستحق بيمينه مالا هو لغيره في الظاهر ولولا يمينه لم
يستحقه ، لأنه معلوم أنه لم يرد به مالا هو له عند الله دون ما هو عندنا في الظاهر ، إذ
كانت الأملاك لا تثبت عندنا إلا من طريق الظاهر دون الحقيقة ، وفي ذلك دليل على
بطلان قول القائلين برد اليمين لأنه يستحق بيمينه ما كان ملكا لغيره في الظاهر . وفيه
الدلالة على أن الأيمان ليست موضوعة للاستحقاق ، وإنما موضوعها لإسقاط الخصومة ،
وروى العوام بن حوشب قال : حدثنا إبراهيم بن إسماعيل أنه سمع ابن أبي أوفى يقول :
أقام رجل سلعة فحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد أعطيت بها ثمنا لم يعط بها ليوقع فيها
مسلما ، فنزلت : ( إن الذين يشترون بعهد الله ) الآية . وروي عن الحسن وعكرمة أنها
نزلت في قوم من أحبار اليهود كتبوا كتابا بأيديهم ثم حلفوا أنه من عند الله ، ممن ادعوا
أنه ليس علينا في الأميين سبيل .
قوله تعالى : ( وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب ) إلى قوله تعالى : ( وما هو
من عند الله ) يدل على أن المعاصي ليست من عند الله ولا من فعله ، لأنها لو كانت من
فعله لكانت من عنده ، وقد نفى الله نفيا عاما كون المعاصي من عنده ، ولو كانت من فعله
لكانت من عنده من آكد الوجوه ، فكان لا يجوز إطلاق النفي بأنه ليس من عنده .
فإن قيل : فقد يقال إن الإيمان من عند الله ولا يقال إنه من عنده من كل الوجوه ،
كذلك الكفر والمعاصي . قيل له : لأن إطلاق النفي يوجب العموم وليس كذلك إطلاق
الإثبات ، ألا ترى أنك لو قلت : " ما عند زيد طعام " كان نفيا لقليله وكثيره ، ولو قلت :
" عنده طعام " ما كان عموما في كون جميع الطعام عنده ؟ .
قوله تعالى : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) قيل في معنى البر ههنا
وجهان أحدهما : " الجنة " وروي ذلك عن عمرو بن ميمون والسدي . وقيل فيه : البر
بفعل الخير الذي يستحقون به الأجر ، والنفقة ههنا اخراج ما يحبه في سبيل الله من صدقة
أو غيرها . وروى يزيد بن هارون عن حميد عن أنس قال : لما نزلت : ( لن تنالوا البر
حتى تنفقوا مما تحبون ) و ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا ) [ البقرة : 245 ] قال أبو
طلحة : يا رسول الله حائطي الذي بمكان كذا وكذا لله تعالى ، ولو استطعت أن أسره ما
أعلنته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اجعله في قرابتك - أو في أقربائك " . وروى يزيد بن هارون
عن محمد بن عمرو عن أبي عمر وابن حماس عن حمزة بن عبد الله عن عبد الله بن عمر
قال : خطرت هذه الآية : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) فتذكرت ما أعطاني
الله ، فلم أجد شيئا أحب إلي من جاريتي أميمة ، فقلت : هي حرة لوجه الله ، فلو لا أن
أعود في شئ فعلته لله لنكحتها ، فأنكحتها نافعا وهي أم ولده . حدثنا عبد الله بن
أحكام القرآن — صفحة 23
مساهمون: الجصاص
ص٢٣