فلما كان في حكم الدخول في باب استحقاق كمال المهر ووجوب العدة جعله كذلك في
حكم التحريم . والدليل على أن أمهات النساء يحرمن بالعقد قوله تعالى : ( وأمهات
نسائكم ) ، هي مبهمة عامة كقوله : ( وحلائل أبنائكم ) وقوله : ( ولا تنكحوا ما نكح
آباؤكم من النساء ) ، فغير جائز تخصيصه إلا بدلالة .
وقوله تعالى : ( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن )
حكم مقصور على الربائب دون أمهات النساء ، وذلك من وجوه : أحدها أن كل واحدة
من الجملتين مكتفية بنفسها في إيجاب الحكم المذكور فيها ، أعني قوله تعالى :
( وأمهات نسائكم ) وقوله تعالى : ( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي
دخلتم بهن ) ، وكل كلام اكتفى بنفسه من غير تضمين له بغيره ولا حمله عليه وجب
إجراؤه على مقتضى لفظه دون تعليقه بغيره ، فلما كان قوله : ( وأمهات نسائكم ) جملة
مكتفية بنفسها يقتضي عمومها تحريم أمهات النساء مع وجود الدخول وعدمه ، وكان قوله
تعالى : ( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) جملة قائمة
بنفسها على ما فيها من شرط الدخول ، لم يجز لنا بناء إحدى الجملتين على الأخرى بل
الواجب إجراء المطلق منهما على إطلاقه والمقيد على تقييده وشرطه ، إلا أن تقوم الدلالة
على أن إحداهما مبنية عن الأخرى محمولة على شرطها . وأخرى ، وهي أن قوله تعالى :
( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن
فلا جناح عليكم ) يجري هذا الشرط مجرى الاستثناء ، تقديره : وربائبكم اللاتي في
حجوركم من نسائكم إلا اللاتي لم تدخلوا بهن ، لأن فيه اخراج بعض ما انتظمه العموم ،
فلما كان ذلك في معنى الاستثناء وكان من حكم الاستثناء عوده إلى ما يليه إلا أن تقوم
الدلالة على رجوعه إلى ما تقدم ، وجب أن يكون حكمه مقصورا على الربائب ولم يجز
رده إلى ما تقدمه إلا بدلالة . وأخرى ، وهي أن شرط الدخول تخصيص لعموم اللفظ ،
وهو لا محالة مستعمل في الربائب ورجوعه إلى أمهات النساء مشكوك فيه ، وغير جائز
تخصيص العموم بالشك ، فوجب أن يكون عموم التحريم في أمهات النساء مقرا على
بابه . وأخرى ، وهي أن إضمار شرط الدخول لا يصح في أمهات النساء مظهرا ، لأنه لا
يستقيم أن يقال : وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، لأن أمهات نسائنا لسن
من نسائنا والربائب من نسائنا ، لأن البنت من الأم وليست الأم من البنت ، فلما لم يستقم
الكلام بإظهار أمهات النساء في الشرط لم يصح إضماره فيه ، فثبت بذلك أن قوله : ( من
نسائكم ) إنما هو من وصف الربائب دون أمهات النساء . وأيضا فلو جعلنا قوله : ( من
نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) نعتا لأمهات النساء وجعلنا تقديره : وأمهات نسائكم من
أحكام القرآن — صفحة 161
مساهمون: الجصاص
ص١٦١