ولم يستحق الإخوة من الأب والأم سهم الأخوة من الأم لمشاركتهم للأخ من الأم في
نسبها ، بل إنما استحقوا بالتعصيب فكانت قرابتهم بالأب والأم مؤكدة لتعصيبهم فلا
يستحقون بها أن يكونوا من ذوي السهام ، وقرابة ابن العم بنسبه من جهة الأم لا تخرجه
من أن يكون من ذوي السهام فيما يستحقه من سهم الأخ من الأم ، وليس لهذا تأثير في
تأكيد التعصيب لأنه لو كان كذلك لوجب أن لا يستحق أبدا إلا بالتعصيب ، كما لا يؤخذ
الإخوة من الأب والأم إلا بالتعصيب ولا يأخذون بقرابتهم من الأم سهم الأخوة من الأم ،
والله أعلم .
باب الرجل يموت وعليه دين ويوصي بوصية
قال الله تعالى : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) ، وروى الحارث عن علي قال :
" تقرؤون الوصية قبل الدين ، وإن محمدا صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية " . قال أبو بكر :
وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين ، وذلك لأن معنى قوله : ( من بعد وصية يوصى بها أو
دين ) أن الميراث بعد هذين ، وليست " أو " في هذا الموضع لأحدهما بل قد تناولتهما
جميعا ، وذلك لأن قوله : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) مستثنى عن الجملة
المذكورة في قسمة المواريث ، ومتى دخلت " أو " على النفي صارت في معنى " الواو "
كقوله تعالى : ( ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) [ الانسان : 24 ] ، وقال تعالى : ( حرمنا
عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ) [ الانعام :
146 ] ، فكانت " أو " في هذه المواضع بمنزلة " الواو " ، فكذلك قوله تعالى : ( من بعد
وصية يوصى بها أو دين ) لما كان في معنى الاستثناء كأنه قال : إلا أن تكون هناك وصية
أو دين فيكون الميراث بعدهما جميعا . وتقديم الوصية على الدين في الذكر غير موجب
للتبدئة بها على الدين ، لأن " أو " لا توجب الترتيب ، وإنما ذكر الله تعالى ذلك بعد ذكر
الميراث إعلاما لنا أن سهام المواريث جارية في التركة بعد قضاء الدين وعزل حصة
الوصية ، ألا ترى أنه إذا أوصى بثلث ماله كانت سهام الورثة معتبرة بعد الثلث فيكون
للزوجة الربع أو الثمن في الثلثين ؟ وكذلك سهام سائر أهل الميراث جارية في الثلثين
دون الثلث الذي فيه الوصية ، فجمع تعالى بين ذكر الدين والوصية ليعلمنا أن سهام
الميراث معتبرة بعد الوصية كما هي معتبرة بعد الدين وإن كانت الوصية مخالفة للدين من
جهة الاستيفاء ، لأنه لو هلك من المال شئ لدخل النقصان على أصحاب الوصايا كما
يدخل على الورثة ، وليس كذلك الدين لأنه لو هلك من المال شئ استوفى الدين كله من
الباقي وإن استغرقه وبطل حق الموصى له والورثة جميعا ، فالموصى له شريك الورثة من
وجه ويأخذ شبها من الغريم من وجه آخر ، وهو أن سهام أهل المواريث معتبرة بعد
أحكام القرآن — صفحة 120
مساهمون: الجصاص
ص١٢٠