فمضى وكان امرءا ورعا ما اختلف على ابن عباس اثنان من أهل العلم . وروى محمد بن
إسحاق عن ابن أبي نجيح عن عطاء بن أبي رباح قال : سمعت ابن عباس ذكر الفرائض
وعولها فقال : أترون الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال قسمه نصفا ونصفا
وثلثا ؟ فهذا النصف وهذا النصف فأين موضع الثلث ؟ قال عطاء : فقلت لابن عباس :
يا أبا عباس إن هذا لا يغني عنك ولا عني شيئا ، لو مت أو مت قسم ميراثنا على ما عليه
القوم من خلاف رأيك ورأيي . قال : فإن شاؤوا فلندع أبناءنا وأبناءهم ونساءنا ونساءهم
وأنفسنا وأنفسهم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ، ما جعل الله في مال نصفا
ونصفا وثلثا .
والحجة للقول الأول أن الله تعالى قد سمى للزوج النصف وللأخت من الأب والأم
النصف وللإخوة من الأم الثلث ، ولم يفرق بين حال اجتماعهم وانفرادهم ، فوجب
استعمال نص الآية في كل موضع على حسب الإمكان ، فإذا انفردوا واتسع المال
لسهامهم قسم بينهم عليها ، وإذا اجتمعوا وجب استعمال حكم الآية في التضارب بها ،
ومن اقتصر على بعض وأسقط بعضا أو نقص نصيب بعض ووفى الآخرين كمال سهامهم
فقد أدخل الضيم على بعضهم مع مساواته للآخرين في التسمية . فأما ما قاله ابن عباس
من تقديم من قدم الله تعالى وتأخير من أخر ، فإنما قدم بعضا وأخر بعضا وجعل له الباقي
في حال التعصيب ، فأما حال التسمية التي لا تعصيب فيها فليس واحد منهم أولى
بالتقديم من الآخر ، ألا ترى أن الأخت منصوص على فرضها بقوله تعالى : ( وله أخت
فلها نصف ما ترك ) [ النساء : 176 ] كنصه على فرض الزوج والأم والإخوة من الأم ،
فمن أين وجب تقديم هؤلاء عليها في هذه الحال وقد نص الله تعالى على فرضها في هذه
الحال كما نص على فرض الذين معها ؟ وليس يجب ، لأن الله أزال فرضها إلى غير فرض
في موضع أن يزيل فرضها في الحال التي نص عليه فيها ، فهذا القول أشنع في مخالفة
الآي التي فيها سهام المواريث من القول بإثبات نصف ونصف وثلث على وجه المضاربة
بها . ولذلك نظائر في المواريث من الأصول أيضا ، قال الله تعالى : ( من بعد وصية
يوصى بها أو دين ) فلو ترك الميت ألف درهم وعليه دين لرجل ألف درهم ولآخر
خمسمائة ولآخر ألف ، كانت الألف المتروكة مقسومة بينهم على قدر ديونهم ، وليس
يجوز أن يقال لما لم يمكن استيفاء ألفين وخمسمائة من ألف استحال الضرب بها ،
وكذلك لو أوصى رجل بثلث ماله لرجل وبسدسه لآخر ولم تجز ذلك الورثة تضاربا في
الثلث بقدر وصاياهم ، فيضرب أحدهما بالسدس والآخر بالثلث مع استحالة استيفاء
النصف من الثلث ، وكذلك الابن يستحق جميع المال لو انفرد وللبنت النصف لو
أحكام القرآن — صفحة 115
مساهمون: الجصاص
ص١١٥