وأيضا لما كانت البينة لفظا مجملا قد يقع على معان مختلفة ، واتفقوا أن الشاهدين
والشاهد والمرأتين مرادون بهذا الخبر وأن الاسم يقع عليهم ، صار كقوله ( الشاهدان أو
الشاهد والمرأتان على المدعي ) فغير جائز الاقتصار على ما دونهم . وهذا الخبر وإن كان
وروده من طريق الآحاد فإن الأمة قد تلقته بالقبول والاستعمال فصار في حيز المتواتر ،
ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم : ( لو أعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ) فحوى
هذا الخبر ضربين من الدلالة على بطلان القول بالشاهد واليمين ، أحدهما : أن يمينه
دعواه لأن مخبرها ومخبر دعواه واحد ، فلو استحق بيمينه كان مستحقا بدعواه ، وقد منع
النبي صلى الله عليه وسلم ذلك . والثاني : أن دعواه لما كانت قوله ومنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يستحق بها شيئا ، لم
يجز أن يستحق بيمينه إذا كانت يمينه قوله . ويدل على ذلك حديث علقمة بن وائل بن
حجر عن أبيه في الحضرمي الذي خاصم الكندي في أرض ادعاها في يده وجحد
الكندي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي : ( شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك ) فنفى النبي صلى الله عليه وسلم
أن يستحق شيئا بغير شاهدين ، وأخبر أنه لا شئ له غير ذلك .
فإن قيل : لم ينف بذلك أن يستحق بإقرار المدعى عليه ، كذلك لا ينفي أن يستحق
بشاهد ويمين . قيل له : قد كان المدعى عليه جاحدا فبين النبي صلى الله عليه وسلم حكم ما يوجب صحة
دعواه عند الجحود ، فأما حال الإقرار فلم يجر لها ذكر وهي موقوفة على الدلالة ، وأيضا
فإن ظاهره يقتضي أن لا يستحق شيئا إلا ما ذكرنا في الخبر ، والإقرار قد ثبت بالإجماع
وجوب الاستحقاق به ، فحكمنا به ، أو الشاهد واليمين مختلف فيه ، فقضى قوله :
( شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك ) ببطلانه .
واحتج القائلون بالشاهد واليمين بأخبار رويت مبهمة ذكر فيها قضية النبي صلى الله عليه وسلم به أنا
ذاكرها ومبين ما فيها : أحدها : ما حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال : حدثنا عبد الله بن
أحمد قال : حدثني أبي قال : حدثنا أبو سعيد قال : حدثنا سليمان قال : حدثنا ربيعة بن
أبي عبد الرحمن ، عن سهل بن أبي صالح ، عن أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى
باليمين مع الشاهد ) . وروى عثمان بن الحكم ، عن زهير بن محمد ، عن سهيل بن أبي
صالح ، عن أبيه ، عن زيد بن ثابت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله . وحديث آخر ، وهو ما حدثنا
محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا عثمان بن أبي شيبة والحسن بن علي ، أن
زيد بن الحباب حدثهم قال : حدثنا سيف - يعني ابن سليمان المكي - عن قيس بن سعد ،
عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد ) . وحدثنا
محمد بن بكر قال : حدثنا أبو داود قال : حدثنا محمد بن يحيى وسلمة بن شبيب قالا :
حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار ، بإسناده ومعناه .
أحكام القرآن — صفحة 625
مساهمون: الجصاص
ص٦٢٥