من الشهداء ) مع قلة حروفه وبلاغة لفظه ووجازته اختصاره وظهور فوائده ! وجميع ما
ذكرنا من عند ذكرنا لمعنى هذا اللفظ من أقاويل السلف والخلف واستنباط كل واحد
منهم ما في مضمونه وتحريم موافقته مع احتماله لجميع ذلك ، يدل على أنه كلام الله
ومن عنده تعالى وتقدس ، إذ ليس في وسع المخلوقين إيراد لفظ يتضمن من المعاني
والدلالات والفوائد والأحكام ما تضمنه هذا القول مع اختصاره وقلة عدد حروفه . وعسى
أن يكون ما لم يحط به علمنا من معانيه مما لو كتب لطال وكثر ، والله نسئل التوفيق لنعلم
أحكامه ودلائل كتابه وأن يجعل ذلك خالصا لوجهه .
قوله تعالى عز وجل : ( أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) قرئ : ( فتذكر
إحداهما الأخرى ) بالتشديد ، وقرئ : ( فتذكر إحداهما الأخرى ) بالتخفيف . وقيل إن
معناهما قد يكون واحدا ، يقال : ذكرته وذكرته ، وروي ذلك عن الربيع بن أنس والسدي
والضحاك . وحدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا أبو عبيد مؤمل الصيرفي قال : حدثنا
أبو يعلى البصري قال : حدثنا الأصمعي عن أبي عمرو قال : من قرأ : ( فتذكر ) مخففة
أراد : تجعل شهادتهما بمنزلة شهادة ذكر ، ومن قرأ : ( فتذكر ) بالتشديد ، أراد من جهة
التذكير ، وروي ذلك عن سفيان بن عيينة .
قال أبو بكر : إذا كان محتملا للأمرين وجب حمل كل واحدة من القراءتين على
معنى وفائدة مجددة ، فيكون قوله تعالى : ( فتذكر ) بالتخفيف تجعلهما جميعا بمنزلة رجل
واحد في ضبط الشهادة وحفظها وإتقانها ، وقوله تعالى : ( فتذكر ) من التذكير عند
النسيان ، واستعمال كل واحد منهما على موجب دلالتيهما أولى من الاقتصار بها على
موجب دلالة أحدهما . ويدل على ذلك أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما رأيت ناقصات عقل
ودين أغلب لعقول ذوي الألباب منهن ) قيل : يا رسول الله وما نقصان عقلهن ؟ قال :
( جعل شهادة امرأتين بشهادة رجل ) فهذا موافق لمعنى من تأول : ( فتذكر إحداهما
الأخرى ) على أنهما تصيران في ضبط الشهادة وحفظها بمنزلة رجل . وفي هذه الآية
دلالة على أنه غير جائز لأحد إقامة شهادة وإن عرف خطه إلا أن يكون ذاكرا لها ، ألا ترى
أن الله ذكر ذلك بعد الكتاب والإشهاد ثم قال تعالى : ( أن تضل إحداهما فتذكر
إحداهما الأخرى ) ؟ فلم يقتصر بنا على الكتاب والخط دون ذكر الشهادة ، وكذلك قوله
تعالى : ( ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا ) فدل ذلك على أن
الكتاب إنما أمر به لتستذكر به كيفية الشهادة ، وأنها لا تقام إلا بعد حفظها وإتقانها .
وفيها الدلالة على أن الشاهد إذا قال : ليس عندي شهادة في هذا الحق ، ثم قال : عندي
شهادة فيه : أنها مقبولة ، لقوله تعالى : ( أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى )
أحكام القرآن — صفحة 621
مساهمون: الجصاص
ص٦٢١