والخطأ والزلل والسهو عليهم ، فثبت بذلك تجويز الاجتهاد واستعمال غلبة الرأي فيما لا
نص فيه من أحكام الحوادث ولا اتفاق .
وفيه الدلالة على جواز قبول الأخبار المقصرة عن إيجاب العلم بمخبراتها من أمور
الديانات عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، لأن شهادة الشهود غير موجبة للعلم بصحة المشهود به ، وقد
أمرنا بالحكم بها مع تجويز أن يكون الأمر في المغيب بخلافه ، فبطل بذلك قول من قال
أنه غير جائز قبول خبر من لا يوجب العلم بخبره في أمور الدين .
وقد دل أيضا على بطلان قول من يستدل على رد أخبار الآحاد بأنا لو قبلناها لكنا
قد جعلنا منزلة المخبر أعلى من منزلة النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ لم يجب في الأصل قبول خبر النبي
صلى الله عليه وسلم إلا بعد ظهور المعجزات الدالة على صدقه ، لأن الله تعالى قد أمرنا بقبول شهادة
الشهود الذين ظاهرهم العدالة وإن لم يكن معها علم معجزة يدل على صدقهم .
وأما ما ذكرنا من اعتبار نفي التهمة عن الشهادة وإن كان الشاهد عدلا ، فإن الفقهاء
متفقون على بعضها ومختلفون في بعضها ، فمما اتفق عليه فقهاء الأمصار بطلان شهادة
الشاهد لولده ووالده ، إلا شئ يحكى عن عثمان البتي : قال : ( تجوز شهادة الولد لوالديه
وشهادة الأب لابنه وامرأته إذا كانوا عدولا مهذبين معروفين بالفضل ، ولا يستوي الناس
في ذلك ) ففرق بينهما لوالده وبينها للأجنبي . فأما أصحابنا ومالك والليث والشافعي
والأوزاعي فإنهم لا يجيزون شهادة واحد منهما للآخر ، فقد حدثنا عبد الرحمن بن سيما
قال : حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال : حدثني أبي قال : حدثنا وكيع ، عن سفيان ،
عن جابر ، عن الشعبي عن شريح قال : ( لا تجوز شهادة الابن لأبيه ولا الأب لابنه ولا
المرأة لزوجها ولا الزوج لامرأته ) . وروي عن إياس بن معاوية أنه أجاز شهادة رجل
لابنه ، حدثنا عبد الرحمن بن سيما قال : حدثنا عبد الله بن أحمد قال : حدثني أبي قال :
حدثنا عفان قال : حدثنا حماد بن زيد قال : حدثنا خالد الحذاء عن إياس بن معاوية
بذلك .
والذي يدل على بطلان شهادته لابنه قوله عز وجل : ( ليس عليكم جناح أن
تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم ) ولم يذكر بيوت الأبناء لأن قوله تعالى : ( من
بيوتكم ) قد انتظمها ، إذ كانت منسوبة إلى الآباء فاكتفى بذكر بيوتهم عن ذكر بيوت
أبنائهم ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( أنت ومالك لأبيك ) فأضاف الملك إليه ، وقال : ( إن أطيب ما أكل
الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فكلوا من كسب أولادكم ) ، فلما أضاف ملك الابن
إلى الأب وأباح أكله له وسماه له كسبا كان المثبت لابنه حقا بشهادته بمنزلة مثبته لنفسه ،
أحكام القرآن — صفحة 617
مساهمون: الجصاص
ص٦١٧